(1954) و(1979) تاريخان مفصليان قلبا كل الموازين المجتمعية في العراق الحديث
صورة مجهرية لواقعة التحرُّش الجنسي في كورنيش البصرة
هند النعيمي
مقدمة
لم تكن حادثة التحرُّش الجنسي التي تعرضت لها الصبية في إحتفالات نهاية عام 2025 بمدينة البصرة هي الأولى ولن تكون الأخيرة، فمنذ أن تراجعت قيم المدينة ومفردات التحضُّر والتنوَّر على إثر كبريات موجات النزوح والهجرات الجماعية، كنا نسجل حوادث تحرّش مشابهة، والى عهد غير بعيد، كنا شهودا على عدة حالات في بغداد خلال الإحتفالات التي أعقبت إعلان وقف الحرب في 8/8/ 1988، ومثلها ما حدث في إحتفالات الألفية الثالثة ليلة 31 كانون أول 1999.
كما أن سجلات القضاء العراقي تحتفظ بأرقام كبيرة عن جرائم الإغتصاب وجنح التحرُّش الجنسي، وأتذكر من أبرزها ما وقع بحق معلمة شابة من سكنة بغداد، إلتحقت توا بعملها في أحد أرياف بغداد، عندما تصدى لها أحد شباب القرية وإغتصبها وسط المزارع ومن ثم ذبحها.
ما يهمنا هنا، هو وضع هذه الحوادث تحت المجهر، وتحليلها من منظور (علم النفس الإجتماعي)، ومن خلال المراقبة الدقيقة للتحولات الاجتماعية التي شهدها العراق، لأنها مرتبطة بشكل مباشر بما عرف بـ (صراع البداوة والحضارة) ونسخته الحديثة (صراع القيم بين الريف والمدينة)، هذا الصراع الذي شكل دائما، العنصر الأهم في بناء شخصية الفرد العراقي منذ قرون عدة، وإذا كانت حركة التحضَّر والتنوّر قد حققت منذ تشكيل الدولة العراقية الحديثة عام 1921 نجاحات واضحة في المدن العراقية الكبرى، وبرعاية الدولة التي تناوب على إدارتها النخب (المدينية) حصرا، إلا أن الصراع ظل خفيا وقائما بين مد وجزر، لغاية العام 1979، (وسنبيِّن لاحقا أسباب إختيارنا لهذا التاريخ).
سبق إن كتبنا ضمن سلسلة ذاكرة عراقية، قبل أكثر من عقد ونصف من الزمن، عن جوانب من التحولات الاجتماعية (الخطيرة) في العراق، منذ سقوط النظام الملكي العراقي عام 1958 ولغاية حاضرنا، ويمكن إعتبار ما كتبناه سابقا وما نكتبه اليوم بـ (كشف المستور).
وقد تجنّب معظم الكتاب الغور فيه علانية، لأنه يثير غضب وحساسية جمهور واسع يشكل اليوم في بغداد والبصرة غالبية عظمى!، وقد واجهت شخصيا إنتقادات كثيرة، وصلت حد الشتائم، ووصموني بالعنصرية والطبقية، وبعضهم رأى أننا نلمّع صورة أهالي المدن ونكيل الذم لسكان الريف، الى آخر الأوصاف السلبية، منطلقين من ردود أفعال عاطفية و(إنتمائية) وليست نقدية وعلمية، رغم تنبيهنا أننا نتحدث عن قيم وأعراف وتقاليد، ولا نقصد أصول وهويات وإنتماءات جغرافية، وأشرنا كذلك الى أن هناك عدد لا يحصى من أبناء الريف قد إنتقلوا الى المدن وبزّوا سكانها بتحضرهم ورقيهم وتمدنهم.
وها نحن اليوم، وعلى إثر موجة الغضب التي إنتشرت عقب ظاهرة التحرُّش المشار إليها في المقدمة، نعيد الكتابة مجدَّدا عن مؤشرات الصراع بين قيم المدينة وقيم الريف، ونتائجه، وأيهما إنتصرت وأيهما هُزِمَت.
البحث عن البدايات
هناك تاريخان مفصليان غاية في الخطورة، قلبا كل الموازين والقيم المجتمعية في العراق الحديث، هما (1954) و(1979)!.
كانت نقطة الشروع في التحوُّل الاجتماعي الخطير في العراق قد حصل بشكل واضح وجلي في مدينتين تشكلان – أكثر من غيرهما - عنوانا للتمدُّن، والوجه الحضاري للعراق هما بغداد والبصرة، ويُحسب هنا لمدينة البصرة (التي وقعت فيها حادثة التحرُّش الأخيرة) أنها كانت متفوقة في تحضرها بأشواط عن العاصمة بغداد، لكونها مدينة ساحلية مفتوحة على العالم منذ القدم، وكان ميناؤها على الدوام محجًا لسفن العديد من دول العالم، كانت البصرة تعجُّ بالزائرين الأجانب من مختلف الهويات العرقية والدينية والثقافية واللغوية، وكان هذا وحده كافيا لأن تتشكل شخصية البصري كشخصية (سياحية) – إن أجيز الوصف - فهو منفتح ويتقبل الآخر بغض النظر عن عرقه وقوميته ودينه، حتى أشيع بين العراقيين، أن البصريين مشهورين بالطيبة والسكينة وحسن الضيافة والمعشر، وأبعد الناس عن العنف والشدة والإنفعال والعصبيات القبلية.
بالعودة الى نقطة البداية ونحن بصدد التحولات الاجتماعية المفصلية الكبرى في المدن العراقية، علينا الذهاب في بحثنا عن أسس تلك التحولات وتاريخها، وعن أخطر مفصل إجتماعي تسبَّب، ليس بالتغيير الديمغرافي الكبير وغير المسبوق في العراق، بل في إنهيار القيم المدينية وهزيمتها، في أبرز مدينتين عراقيين هما بغداد والبصرة.
إرتبطت جذور هذا التحوّل بالعام 1954، ففي ذلك العام إجتاح شرق العراق أشد فيضان عرفته البلاد في القرن العشرين، تسبب في نزوح عشرات الآلاف من سكان الشريط الحدودي إبتداء من شرق وجنوب الكوت شمالا وحتى القرنة جنوبا، في أكبر عملية هجرة ونزوح جماعي في تاريخ العراق برمته، وإتجهت هذه الحشود تحديدا نحو مدينتي البصرة وبغداد.
كان هذا النزوح البشري الكبير نحو هاتين المدينتين – قياسا لعدد سكانها آنذاك، كافيا لأن تنتشر تباشير الطباع البدوية والجانب السلبي من الأعراف العشائرية والقيم الريفية، وقد تمت هذه التباشير على إستحياء في بادئ الأمر، ثم على مراحل واضحة بعد ذلك. كان الصراع (المستتر) على أشده، ولكن .. برغم إنتشار القيم البدوية على مدى أكثر من عقدين من الزمن (من نهاية الخمسينيات لغاية نهاية السبعينيات)، وفشل حالات الإندماج التي إلفتها المدن العراقية لقرون طويلة، عندما كان التوافد على المدن طبيعي ومحدود كمدن وعواصم العالم كلها، وبرغم فرض وجودها على المستوى المجتمعي، إلا أن السلطة ظلت بيد نخب المدن، بمعنى ان حركة التريّف قد نجحت وتفوقت في شقها الاجتماعي فقط، فيما بقيت إدارة الدولة حِكرا على النُخب المتمدنة لغاية السنوات التي تلت العام 1968.
المفصل الأهم والأخطر في تاريخ العراق الإجتماعي
لكن المفصل الأهم والأخطر الذي أسقط الوجه المدني والقيم المدينية المتحضرة في العراق، ومكَّن المد الريفي من السطوة ونهب السلطة، هو ما حدث في العام 1979، وتحديدا فيما عرف بمجزرة قاعة الخلد!
كانت القيادة التي تتحكم بمقدرات الدولة قد إنحصرت الى حد كبير منذ 30 تموز 1968 بيد صدام حسين إبن قرية العوجة، القرية التي تقع خارج حدود مدينة تكريت، وفي الطرف الصحراوي منها، والتي توصف جغرافيا بالريف (اليابس) أو ما يعرف شعبيا بالجول (بالجيم الأعجمية)، وطوال عشر سنوات، من العام 1969 العام الذي غنم فيه صدام منصب نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ولغاية العام 1979. نجح في تمثيل دور الرجل (المديني) المتحضِّر، ملبسا وأتكيتا وسلوكا، مع حرصه على التحدث باللغة الأقرب الى الفصيحة، (وتشير معلومات إلا أنه إنتدب طاقما أجنبيا للتدرب على هذه القواعد)، حتى إذا ما تمكن في العام 1979 من المسك متفردا بكل أدوات السلطة، وخصوصا الجانب العسكري والأمني، بعد أن إستقدم الى بغداد أبناء عشيرته وحاشيتها وحواشيها، جمع كل رفاق حزبه الكبار ليختار من بينهم أبناء المدن المتحضرين الذين كانوا يشكلون جدار صد أمام نزوعه البدوي، ويتقاطعون مع نزواته الريفية، وقطع رؤوسهم، ولم يبقِ منهم لغاية عام 2003 سوى المتطابقين مع نهجه القروي، وإذا كان قد أستثنى منهم بعض (المتحضرين)، فهؤلاء كانوا ضعفاء مطيعين لا يشكلون أي خطر على توجهاته ونهجه.
لم تمضِ أسابيع قليلة على تلك المجزرة، حتى خرج علينا صدام بزيه الريفي (الدشداشة والعباءة والعقال)، وهو يلهج بفخر وإعتزاز بلهجة قريته، وكأن لسان حاله يقول: (اليوم إنتصرت عليكم يا أبناء المدن، بعد أن صبرت عليكم طويلا)!.
هناك ظاهرة يجدر تسجيلها هنا، فعندما كان صدام يلتقي بمجموعة من العلماء أو الأدباء أو المثقفين بشكل عام، يتعمَّد التحدث بلهجته القروية، ليجرهم ويجبرهم على التحدث باللهجة العامية مجاراة له، حتى يفوّت عليهم فرصة إبراز تفوقهم وتميُّزهم في تخصصاتهم، لإراحة واحدة من نواقصه وعقده النفسية، وهي متعددة لا مجال هنا للحديث عنها.
وبهذا تكون حلقات التريّف قد إكتملت، فبعد أن نجحت موجات الهجرة في ترييف كبريات المدن العراقية، تم في تلك المجزرة ترييف السلطة لأول مرة في تاريخ العراق القديم والحديث.
الغريب أن كل المؤرخين والباحثين والمختصين في المحورين الإجتماعي والسياسي دون إستثناء، ممن كتبوا وبحثوا وأرَّخوا لمجزرة قاعة الخلد، لم يتنبهوا لحقيقتها وأسبابها الخفية، ولم يصلوا للدوافع التي كان يضمرها صدام منذ سنوات طفولته.
كانت تلك المجزرة الفاصل الأهم والأبرز والأخطر في تاريخ العراق الحديث، وكانت الصولة الأخيرة في صراع البداوة والحضارة في العراق، الصولة التي قصمت ظهر المدن العراقية وقيمها وتقاليدها ومفرداتها الحضارية، وهزمت شر هزيمة الى أمد سيمتد لعقود طويلة، وضمن هذا السياق أيضا، وبعد هذا الإنتصار السلطوي الذي حققته البداوة في مجزرة قاعة الخلد عام 1979، لم يتنبه جميع من كتبوا عن التغيير الذي حصل في نيسان 2003 من زاويته الاجتماعية، من أنه لا يعدو إستبدال هوية بدوية متخلفة بهوية أخرى، فمعظم (المتريفين) الذين غنموا السلطة بعد العام 2003، هم إمتداد وبديل مستنسخ (للمتريفين) السابقين الذي غنموا السلطة بعد العام 1979 لغاية العام 2003، وأن الذي تغيّر هو هوياتهم العرقية فقط.
وبهذه الصورة العراقية المؤسفة إنتهى الصراع لصالح البداوة.
أن جميع الأفعال العدوانية، والسلوك الإجرامي والمظاهر المتخلفة والتصرفات الشاذة والمنافية للأخلاق القويمة – كالتي وقعت في كورنيش البصرة - ما هي إلا تعبير وتخريج وإنعكاس لترسبات القيم البدوية التي كنا نظن في يوم من الإيام أنها في طريقها الى الإنحسار والتلاشي.
وننبه هنا مرة أخرى وأخيرة، الى أننا نتحدث هنا عن قيم وأعراف وتقاليد، وليس عن أصول وأعراق وهويات وإنتماءات جغرافية، كما نؤكد أيـــــــضا الى أن أعدادا كبيرة من أبناء الريف أو من أبناء الذين نزحوا الى المدن - وبخاصة بغداد والبصرة – قد قدموا نموذجا طيبا للإنسان المتحضر، وسجلوا مآثر ونجاحات في مختلف مجالات الحياة، العلمية والسياسية والأدبية والفنية.