الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة أدبية في سيرة أديبٍ يحرس المكان بالكلمة


دلاور بازركان… صوتٌ تركماني ينهض من الذاكرة

قراءة أدبية في سيرة أديبٍ يحرس المكان بالكلمة

عبدالباقي عبدالجبار الحيدري

 

في المشهد الثقافي التركماني، حيث تتقاطع الذاكرة بالهوية، وتتشابك اللغة مع التاريخ، لا يبرز الاسم الأدبي صدفةً، ولا يستمر بالمجاملة. وحدها الأصوات الصادقة، المتجذّرة في المكان، هي التي تبقى. ومن بين هذه الأصوات، يطلّ دلاور بازركان بوصفه أديبًا لا يكتب عن أربيل من الخارج، بل يكتبها من الداخل؛ من أزقّتها، ومن وجوه ناسها، ومن صمت ذاكرتها الطويلة.

 

وُلد دلاور جلال محمود مصطفى في 1964، ونشأ في محلة العرب بمدينة أربيل، تلك المحلة التي لم تكن مجرّد حيٍّ سكني، بل فضاءً اجتماعيًا وثقافيًا حيًّا، تتجاور فيه اللغات، وتتماسّ فيه الهويات، وتتكوّن فيه الحكايات الصغيرة التي تصنع الوعي الكبير. هناك، تعلّم باكرًا أن المكان ليس جدرانًا فحسب، بل ذاكرة، وأن اللغة ليست أداة تعبير فقط، بل وعاء انتماء.

 

لم يكن الأدب في حياة بازركان ترفًا ثقافيًا، ولا هواية تُمارَس على هامش الزمن، بل التزامًا أخلاقيًا تجاه اللغة والهوية. كتب لأنه شعر أن الذاكرة مهدَّدة، وأن الصمت خيانة، وأن الكلمة حين تُقال بصدق تتحوّل إلى وثيقة. لذلك ظل حضوره الثقافي متواصلًا، سواء من خلال مشاركته في الفعاليات الأدبية، أم عبر انخراطه العملي في العمل الثقافي والتنظيمي.

 

يشغل دلاور بازركان منصب مسؤول العلاقات الإدارية في اتحاد الأدباء والكتاب في أربيل، وهو موقع لا يمكن قراءته بوصفه وظيفة إدارية فحسب، بل امتدادًا طبيعيًا لدوره الثقافي. فمن خلاله أسهم في تنظيم الأمسيات والملتقيات، وتقريب المسافات بين الأدباء، وإحياء روح العمل الجماعي، إيمانًا منه بأن الثقافة لا تُبنى بالأفراد المنعزلين، بل بالتكامل والحوار.

 

شارك بازركان في أمسيات أدبية ومهرجانات ثقافية داخل العراق وخارجه، وكان حضوره فيها امتدادًا لصوته النصي؛ هادئًا، عميقًا، ومشدودًا إلى الإنسان وهمومه. لم يكن صوته عاليًا بالضجيج، بل نافذًا بالمعنى، يستدعي التراث التركماني لا بوصفه ماضيًا جامدًا، بل طاقة حيّة قادرة على مخاطبة الحاضر.

 

نُشرت مقالاته وقصائده ونصوصه في عدد من المجلات والصحف، وأسهم هذا الحضور الأدبي في ترسيخ صورته ككاتب ملتزم بقضايا الهوية والذاكرة، قادر على مخاطبة جمهور واسع بلغة واضحة، حسّاسة، ومشحونة بصدق التجربة.

 

على مستوى الإصدارات، قدّم مجموعتين أدبيتين هما:

«أربيلده بير ده سته كول» و«قلادان بيرساس»، وهما عملان لا يُقرآن بوصفهما نصوصًا منفصلة عن سياقها، بل بوصفهما شهادتين أدبيتين على علاقة الكاتب بالمكان والإنسان. ففي هذين العملين، تظهر أربيل لا كمدينة محايدة، بل ككائن حيّ، له ذاكرة، وله صوت، وله جراح.

 

إلى جانب كونه أديبًا، يُعدّ دلاور بازركان خزّانًا حيًّا للذاكرة المحلية، وبنك معلومات حقيقيًا للباحثين والمهتمين بتاريخ أربيل وقلعتها. يمتلك أرشيفًا غنيًا من الصور والوثائق والذكريات، ويُعرف بروح التعاون والانفتاح، وحرصه الدؤوب على توثيق الشخصيات والأحداث التي شكّلت الوجدان الجمعي للمدينة.

 

منحه انتماؤه إلى عائلة معروفة في أربيل وقلعتها صلةً عضوية بالمجتمع، وجعل ذاكرته متداخلة مع ذاكرة الناس، لا معزولة عنها ولا بعيدة عن نبضهم اليومي.

 

اليوم، يواصل دلاور بازركان نشاطه الأدبي والثقافي بإصرارٍ هادئ، مؤمنًا بأن الكلمة ليست زينة لغوية، بل موقف، وأن الأدب الحقيقي هو ذاك الذي يحرس الذاكرة من التآكل، ويمنح الهوية حقّها في البقاء. وفي زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات وتضيع فيه التفاصيل، يبقى صوته شاهدًا على أن الأدب يولد من المكان، ويعود إليه، ليمنحه معنى الخلود.


مشاهدات 29
الكاتب عبدالباقي عبدالجبار الحيدري
أضيف 2026/01/18 - 3:08 PM
آخر تحديث 2026/01/19 - 3:58 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 148 الشهر 14012 الكلي 13121435
الوقت الآن
الإثنين 2026/1/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير