العراق فريسة النزاعات ألامريكية المحدودة المسيطر عليها
قتيبة آل غصيبة
من الخطأ الفادح فهم ما يجري في العراق بوصفه نتيجة فوضى داخلية فقط؛ أو حصيلة صراع طائفي محض؛ أو حتى انعكاساً لعجز الدولة العراقية وحدها، فالعراق، منذ عام 2003؛ بات جزءاً لا يتجزأ من معادلة دولية كبرى تُدار وفق أحد أكثر المفاهيم رسوخاً في الفكر الاستراتيجي الأمريكي الحديث؛ وهو ما (يعرف بالنزاعات المحدودة المسيطر عليها - Low intensity conflict)، فهذا المفهوم؛ الذي تطور تدريجياً في العقل السياسي والعسكري الأمريكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يقوم على فكرة جوهرية؛ مفادها أن الحرب الشاملة؛ (الحرب الشاملة: تعني استخدام الدول المتحاربة كافة مواردها المتاحة البشرية والمادية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية لتحقيق النصر ولا تفرق بين المقاتلين والمدنيين؛ بل تجعلهم جميعاً جزءاً من المجهود الحربي وتهدف إلى تدمير قدرة العدو بشكل كامل كما في الحربين العالميتين)؛ لم تعد أداة عقلانية في عصر الردع النووي والتشابك الاقتصادي العالمي؛ وأن البديل الأكثر فاعلية لتحقيق الهيمنة وحماية المصالح؛ (هو إدارة الصراعات لا حسمها؛ وضبط النزاعات لا إنهاؤها.)
يُقصد بالنزاعات المحدودة المسيطر عليها: (أنها تلك الصراعات التي تُدار ضمن سقوف دقيقة من التصعيد؛ إذ تُستخدم القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية بشكل انتقائي ومدروس؛ دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، فالغاية ليست تحقيق نصر نهائي؛ بل إدامة حالة صراع محسوبة تُنتج مكاسب استراتيجية طويلة الأمد بأقل كلفة مباشرة)، فهذا التصور لم يكن وليد اللحظة؛ بل أسسه مفكرون أمريكيون كبار مثل، (برنارد برودي؛ ت: 1978؛ الذي رأى أن وظيفة القوة العسكرية بعد ظهور السلاح النووي هي منع الحرب الشاملة لا خوضها)، ثم جاء؛ (توماس شيلينغ؛ ت: ٢٠١٦؛ ليمنح المفهوم عمقه النظري، حين أكد في كتابه "استراتيجية الصراع"؛ أن الصراع يمكن إدارته كعملية تفاوض قسري؛ تُستخدم فيه القوة كرسالة وضغط نفسي وسياسي؛ لا كأداة تدمير مطلق)، حيث جري سياسيًا؛ تكريس هذا النهج في الحرب الكورية - الامريكية (1950-1953)؛ حين رفضت واشنطن توسيع الحرب ضد الصين التي دعمت كوريا الشمالية بعشرات الالاف من المقاتلين والاسلحة والمعدات العسكرية، ثم في حرب فيتنام عبر مبدأ؛ ("التصعيد المتدرج"؛ الذي نظَّر له وزير الدفاع الامريكي الاسبق؛ روبرت مكنمارا؛ ت: 2009: إذ يعتبر التصعيد المتدرج نهجا استراتيجيا يقوم على زيادة مستوى الضغط أو استخدام القوة خطوةً بعد أخرى وبصورة محسوبة؛ بهدف إجبار الخصم على تغيير سلوكه أو تقديم تنازلات دون الانزلاق إلى حرب شاملة؛ مع إبقاء زمام المبادرة والتحكم بسقف الصراع بيد الطرف القائم بالتصعيد؛ لاحقاً)، ثم أعاد؛ ("هنري كيسنجر؛ ت:2023"؛ صياغة هذا المنطق ضمن رؤية ترى أن الاستقرار العالمي لا يتحقق عبر إنهاء الصراعات؛ بل عبر إدارتها ضمن توازنات دقيقة.)
عند إسقاط هذا الإطار النظري على العراق؛ تتضح الصورة بشكل أكثر قسوة، فالولايات المتحدة؛ التي تمتلك نفوذاً واسعاً في العراق؛ لم تسعى منذ 2003 إلى بناء دولة عراقية قوية مكتملة السيادة؛ بل إلى منع تشكّل دولة خارجة عن سيطرتها، وتُركه في منطقة رمادية؛ لا انهيار كامل؛ ولا استقرار حقيقي، فهذا الوضع ليس عارضاً؛ بل يخدم جوهر (النزاع المحدود المسيطر عليه)، فالعراق المستقر القوي قد يتحول إلى لاعب إقليمي مستقل؛ بينما العراق المنهك والمنقسم؛ يبقى ساحة نفوذ وورقة تفاوض وميدان استنزاف، ومن هنا نفهم لماذا لم تتدخل واشنطن بشكل حاسم في، تفكيك الميليشيات؛ وفرض إبقاء السلاح بيد الدولة؛ وإنهاء ازدواج القرار الأمني؛ وبناء مؤسسات سيادية مستقلة، لأن الحسم يتناقض مع منطق الاجندة الامريكية في العراق.
إن ما يزيد الامور تعقيدا، هو ان العراق اصبح؛ أهم مسرح للصراع غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، لكنه ليس مسرح حرب مفتوحة؛ بل ساحة نزاع محدود مسيطر عليه، فالولايات المتحدة لا تريد حرباً شاملة مع إيران؛ لما تحمله هذه الحرب من مخاطر إقليمية ودولية؛ وإيران بدورها تدرك أن المواجهة المباشرة قد تهدد وجود نظامها، لتكون النتيجة، هي؛ (نقل الصراع إلى ساحات وسيطة؛ والعراق في مقدمتها، وفي هذا السياق، يتم فهم أن الميليشيات لا تمثل مشكلة أمنية فقط؛ بل كجزء من أدوات النزاع المُدار) ، فبالنسبة لإيران؛ فإنها أذرع نفوذ وردع، وبالنسبة لواشنطن؛ هي أوراق ضغط واحتواء، ولهذا نرى أن الولايات المتحدة؛ تضرب حين يتجاوز الصراع الخطوط الحمراء؛ وتغض الطرف حين يخدم التوازن؛ (وإنها تمنع الانفجار دون أن تمنع الاستنزاف؛ إنها سياسة إدارة التناقض لا حسمه.)
والتساؤل هنا، لماذا لا تريد واشنطن حسم الصراع في العراق؟
فالجواب هنا، يخضع "لسياقات النزاع المحدود المسيطر عليه"، لأن الحسم يعني، إضعاف الورقة العراقية في التفاوض مع إيران؛ وإنهاء ساحة استنزاف منخفضة الكلفة؛ وتحمّل مسؤولية بناء دولة مستقلة القرار، بينما هذا النزاع المحدود يمنح واشنطن؛ قدرة على ضبط إيران دون حرب؛ ونفوذاً دائماً في العراق؛ ومرونة في إدارة المنطقة، بهذا المعنى؛ فإن بقاء العراق في حالة أزمات متكررة؛ (سياسية وأمنية واقتصادية)؛ يخدم منطق الصراع الأمريكي–الإيراني أكثر مما يخدم الشعب العراقي.
إن الرهان على تدخل أمريكي حاسم لإنقاذ العراق هو رهان خاسر للعراق؛ لأنه خارج منطق السياسة الدولية، فالولايات المتحدة لا تعمل بمنطق الأخلاق أو الإنقاذ؛ بل بمنطق المصلحة وإدارة الصراع؛ وإن أي تدخل أمريكي سيكون؛(محدوداً وانتقائياً؛ مرتبطاً بأمنها لا بسيادة العراق)، ولهذا؛ فإن استمرار الأزمات في العراق لا يشكل دليلا على ضعف أمريكا؛ بل دليل نجاح نسبي لاستراتيجية النزاع المحدود، فالعراق اليوم ليس مجرد ضحية لصراع أمريكي–إيراني، بل ساحة يتم إدارتها بعناية ضمن عقيدة (النزاعات المحدودة المسيطر عليها) ، وفي هذا النوع من الصراعات، ( لا تُحل الأزمات؛ ولا تُبنى الدول؛ ولا يُمنح الاستقرار، بل يُدار الألم… ويُضبط الانفجار.)
ومن هنا، فإن الخلاص الحقيقي للعراق لن يأتي من واشنطن ولا من طهران، بل من خلال: (وعي عراقي جماعي بطبيعة الصراع وإدراك أن الخارج يدير ولا يعالج؛ وبناء مشروع وطني مستقل ينتزع القرار بدل انتظاره)، ففي عالم النزاعات المحدودة؛ فإن السيادة لا تُوهب… بل تُنتزع.
والله المستعان