المُلك عقيم لكن زائل.. رسالة لمن يتعض
محمد فخري المولى
المُلك والسلطة لهما شطر كبير من صياغة احداث التاريخ،
فلا تجد مناسبة او حادثة مهمة...
انقلاب، تنحي، تسليم، تبديل، تغيير
منذ زمن طويل الا سببها المُلك والسلطة.
الامة الاسلامية بعد الاسلام ووجود منقذ البشرية النبي محمد عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين طيب الصلاة والسلام كان يجب ان تتجه نحو شاطى الخلاص من كل براثن الجاهلية،
لكن مع الاسف حتى بحياة النبي لم يكن الامر بلا عوالق ولابراثن ...
مؤامرات ودسائس بل وصلت الى مستوى اعلان الحرب والبعض اعلن النبوة والبعض دخل بالاسلام بلا قناعة.
مغادرة النبي لم تشكل فارق للعديد ممن يبتغون الدنيا
ولو معنا بخطبة الوداع لوجدناها منهج متكامل لكن بلا مريدين خُلص،
الا من باع دنياه باخرته وما اقلهم.
هكذا مضت الايام متتابعة...
الى ان توقف التاريخ مجددا
عند ٢٥ رجب سنة ١٨٣ هـ.ذكرى استشهاد الإمام الكاظم ع،
عند هذا التاريخ تجد طرفين
الإمام الكاظم ع بجهة بكل ما تحمل من سمات فاضلة زهد وعلم وورع وامامه وعدل،
بالطرف الاخر ستجد هارون الرشيد.
يعتبر هارون الرشيد (الخليفة العباسي الخامس) من أشهر الشخصيات التاريخية وأكثرها جدلاً،
حيث تختلف النظرة إليه بناءً على الزاوية التي يُقرأ منها تاريخه؛
فبين كونه رمزاً للعصر الذهبي للدولة الإسلامية،
لكن دوره السياسي في مواجهة خصومه مختلف تماما.
حيث شهد عهده أحداثاً كبرى ومؤلمة أحياناً منها: نكبة البرامكة وهم عائلة كانوا وزراءه والمقربين إليه،
ثم انقلب عليهم وقتلهم وصادر أموالهم في حادثة شهيرة نتيجة صراع على النفوذ والسلطة والمُلك.
وبذات النهج انهى العلاقة والارتباط مع الإمام الكاظم (ع) فتوله الى عدوا للسلطة والملك وهو منهما براء.
لكن وما ادراك ما لكن
هنا وصلنا لنقطة الا عودة المُلك والسلطة.
لم يتقنع الحاكم وحاشيته...
ان هناك من هو زاهد بالدنيا وما فيها
وليس المُلك والسلطة فقط ،
لكنه يعمل بتكليفه الشرعي النصح والإرشاد والوعض وهذا هو ديدن النبي واله والمصلحين.
هنا نستذكر ما ردد منذ قديم الزمان...
ما تنظره بنفسك ستجده عند الاخرين.
لذا شهد عهد الرشيد سجن الإمام موسى الكاظم لفترات طويلة انتهت باستشهاده في السجن،
هارون أظهر شخصية الطاغية،
نال الامام الكاظم الشهادة في ٢٥ رجب.
ومن يتعض هارون بكلمات الامام
إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء، حتى نفضي جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء، وهناك يخسر المبطلون وملخصها
ان يوم من عذابي هو يوم من نعيمك وعند الله الملتقى.
المنظور تاريخي يعد مقولة "المُلكُ عقيم" واحدة من أشهر المقولات السياسية والتاريخية، وهي تعبر عن فلسفة السلطة وصرامتها التي تتجاوز العواطف والروابط الأسرية.
هارون له حادثة شهيرة
يُروى أن ابنه "المأمون سأله يوماً عن سبب تنازعه مع بني عمومته (العلويين) على الخلافة رغم أنه يعلم فضلهم وقربهم من رسول الله ،
فأجابه الرشيد بعبارته الشهيرة:
يا بني، إن المُلْكَ عَقِيم، ولو نازعتني أنت عليه لأخذتُ الذي فيه عيناك (يقصد لقطع رأسه).
أي أن السلطة لا تعترف بقرابة أو صداقة
فإذا دخل "المُلك" من باب، خرجت "العاطفة" من الباب الآخر.
مما انتح الوحدانية في الحكم،
لا يقبل المُلك المشاركة وهو تاسيس للديكتاتورية تماما.
كما أن العقيم لا يترك وريثاً يزاحمه في حياته.
مما ينتج القسوة التي تُشير إلى أن طموح السلطة قد يدفع الحاكم للتضحية بأقرب الناس إليه (إخوته، أبنائه، أو آبائه) في سبيل الحفاظ على العرش.
الملك العقيم الزائل
قد يُعتبر تعبيرًا عن القلق لمن يحمل راية الحكم، مما يهدد استقرار الدولة.
لكنه افق ضيق لاصحاب الدنيا،
ونامل ان يتذكروا ان هناك من قال:
"وَلأَلْفَيْتُمْ دُنْياكُمْ هذِهِ أَزْهَدَ عِنْدي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ"
(عفطة العنز) هي ما يخرج من أنف العنز من عطاس أو رشح، وهو شيء تافه لا قيمة له ولا يؤبه له
وقيل العفطة هي اللدغة أو الرفسة الخفيفة التي تصدر عن عنز (ماعز)، وهي في هذا السياق تشير إلى شيء تافه أو غير ذي قيمة فتعكس المقولة فلسفة الإمام علي (عليه السلام) في
أن الدنيا، مهما كانت ممتعة أو مغرية، فهي في النهاية لا تساوي شيئًا في نظر الله، خصوصًا إذا ما قورنت بالآخرة، التي هي دار النعيم.
الا من متعض من اللاهثون وراء فتات الدنيا وحطامها الزائل لا محالة.