مرايا لا تعكس الحقائق
رعد البيدر
تَدورُ الأيامُ ببعضِ البشرِ بِدَوَّامَةٍ من الانشغالِ بتفاصيلَ لا تلامسُ عمقَ أحاسيسِهم، فيقضون العمرَ في تشييدِ جدرانٍ من التكلفِ لينالوا القبولَ عند الآخرين، يرهقون مشاعرَهم في صياغةِ ملامحَ تُرْضي ذائقةَ الغيرِ، وكأنهم يسابقون الزمنَ ليبدوا بأفضلِ صورةٍ في مراياهم، وفي غمرةِ سعيِهم المحمومِ يتناسون أنَّ الحياةَ أقصرُ من أن يعيشوها بوجوهٍ مقنَّعةٍ لا تشبهُهم، وأنَّ السكينةَ الحقيقيةَ تكمنُ في أن يكونَ المرءُ على ما هو عليهِ لا على ما يريدُه الآخرون منه؛ وبهذا المعنى تتجلى روعةُ مقولةِ جبران خليل جبران: «ستدركُ يوماً أنكَ أفنيتَ أثمنَ لحظاتِ عمركَ في تحسينِ صورتِكَ أمامَ أعينٍ لا تبصرُ إلا ما تريدُ أن تراهُ».إنَّ الصراعَ النفسيَّ يستنزفُ الكثير من هؤلاءِ فيسلبُهم بهجةَ العفويةِ ويجعلُهم أسرى لانطباعاتٍ متغيرة، فالعينُ التي لا تبصرُ الجمالَ في أعماقِهم لن ترضيَها أيُّ صورةٍ مهما بلغتْ من الإتقان، والروحُ التي تبحثُ عن الكمالِ الزائفِ فيهم ستظلُّ عمياءَ عن حقيقتِهم، فالمرايا لا تبصرُ، لكنَّها تعكسُ، وهي لا تعكسُ الحقائقَ دائماً، بل تعكسُ صدى الأوهامِ التي رسمَها الآخرون. إنَّ تصالُحَ المرءِ مع ذاتهِ وقبولَ كوامنِها هو السبيلُ الوحيدُ للنجاةِ من فخِّ الاستعراضِ المجهد، فمن يهتمُّ بكَ حقاً سيراكَ بقلبهِ قبلَ عينهِ، ومن لا يعنيهِ أمرُكَ لن يرى فيكَ إلا ما يخدمُ تصورَه المُسبق. لذا فالأجدرُ بمن أدركَ ذلك أن يستثمرَ ما تبقى من عُمرهِ في زراعةِ الطمأنينةِ داخلَ نفسِهِ، ويتركَ للآخرينَ حريةَ الرؤيةِ، ليحفظَ لنفسهِ وقارَ الصدقِ، ونقاءَ الهويةِ، واحترامَ الذاتِ.