الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
يحيى إدريس.. سادن المقام العراقي وصوت الذاكرة الثقافية

بواسطة azzaman

يحيى إدريس.. سادن المقام العراقي وصوت الذاكرة الثقافية

ذائقة موسيقية واعية تجمع بين الأصالة والتجديد

بغداد - محمد علي محيي الدين

لم يكن يحيى إدريس مجرّد إعلامي ظهر على الشاشة وأجاد الحضور، ولا باحثًا انشغل بالتراث بوصفه مادة أكاديمية باردة، بل كان حالة ثقافية نادرة، جمعت بين المعرفة والذائقة، وبين البحث والوجدان، وبين الإعلام بوصفه رسالة، والتراث بوصفه هوية لا تقبل التفريط.

وُلد يحيى إدريس في مدينة الموصل عام 1945، المدينة التي تختزن في طبقاتها تاريخًا من التنوع والتجاور الثقافي، قبل أن ينتقل إلى أربيل حيث أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية. وفي تلك السنوات المبكرة، تفتّحت ميوله نحو اللغة العربية والمسرح والموسيقى، وهي ميول لم تكن عابرة، بل ستتحول لاحقًا إلى مشروع حياة. شدّته بغداد مبكرًا، فالتحق بجامعة المستنصرية، وحصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية، ثم واصل مسيرته العلمية ليحصل عام 1985 على درجة الماجستير من معهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية، عن أطروحته الموسومة: (الحس القومي في المسرحية التاريخية العراقية ما بين الحربين)، وهي دراسة كشفت عن وعيه المبكر بالعلاقة الجدلية بين الفن والهوية الوطنية. في سبعينيات القرن الماضي، رُشّح مدرسًا للغة العربية في الجزائر، وهناك اتسعت تجربته الثقافية، فانخرط في الحياة الفكرية والفنية، وكتب مقالات أدبية في الصحف الجزائرية بين عامي 1970 و1974، كما ألّف وأخرج أعمالًا مسرحية تناولت القضية الفلسطينية وتناقضات المواقف الدولية. ولم تكن تلك التجربة محطة عمل فحسب، بل مختبرًا فكريًا صقل وعيه العربي، ورسّخ قناعته بأن الثقافة موقف قبل أن تكون مهنة. عاد إدريس إلى العراق محمّلًا بهذه الخبرة، ليبدأ مرحلة جديدة من العطاء، سرعان ما جعلته واحدًا من الأسماء المميّزة في المشهد الثقافي والإعلامي العراقي. وقد عدّه الأديب حميد المطبعي واحدًا من أعلام العراق في القرن العشرين، وهو توصيف لم يأتِ من فراغ، بل من مسيرة متشعبة وغنية.

مجاميع قصصية

أصدر مبكرًا مجموعة قصصية بعنوان «حفر ودموع» عام 1966، وشارك في إصدار مجاميع قصصية أخرى، لكنه سرعان ما وجد في التراث الغنائي، ولا سيما المقام العراقي، المجال الذي يلتقي فيه شغفه بالبحث مع حسّه الجمالي. ومنذ عام 1974 وحتى وفاته، كرّس جزءًا كبيرًا من كتاباته ودراساته لهذا الفن، بوصفه خلاصة الوجدان العراقي وذاكرته الصوتية.

عمل في إصدار مجلة القافلة، ثم محررًا ورئيسًا لقسم الموسيقى في مجلتي الإذاعة والتلفزيون وفنون، كما تولّى سكرتارية تحرير مجلة القيثارة، حيث أجرى حوارات مطوّلة مع كبار قرّاء المقام وروّاده، من أمثال محمد القبانجي، ويوسف عمر، وشعوبي إبراهيم، وإسماعيل الفحام، ويونس إبراهيم، وحسين الأعظمي، وغيرهم. وقد تحولت تلك الحوارات، مع مرور الزمن، إلى وثائق لا غنى عنها للباحثين والمهتمين.

وفي الوسط الصحفي، كتب صفحة «بطاقات موسيقية» في صحف الثورة والعراق والقادسية لأكثر من عشر سنوات، عبّر فيها عن ذائقة موسيقية واعية، تميل إلى الجمع بين الأصالة والتجديد، وتؤكد ريادة المقام العراقي بوصفه أساسًا بنيويًا في الموسيقى الوطنية.

أما حضوره التلفزيوني، فقد بدأ فعليًا في مطلع الثمانينيات، بالتزامن مع نشاطه النقدي، حين تعاون مع خبير المقام العراقي الحاج هاشم الرجب في إعداد وتقديم برنامج «سهرة مع المقام العراقي»، وهو برنامج حاز تقدير المشاهدين، واستمر لسنوات، ليصبح مرجعًا بصريًا وسمعيًا لفن المقام. لم يكن إدريس في هذا البرنامج مذيعًا تقليديًا، بل باحثًا هادئًا، يعرف متى يسأل، ومتى يصمت، ويترك للفن أن يقول كلمته.

ثم قدّم برنامج «سهرة تراثية» من داخل المتحف البغدادي، وهو البرنامج الذي مثّل ذروة مشروعه الإعلامي. ففي إحدى حلقاته، اقترح تأسيس بيت المقام العراقي، وهي فكرة لقيت دعم وزارة الثقافة، لتتحول إلى واقع عام 1987 بافتتاح البيت في منطقة السنك، جوار معهد الدراسات الموسيقية، بحضور وزير الثقافة.

لم يتعامل يحيى إدريس مع بيت المقام بوصفه مؤسسة إدارية، بل بوصفه مشروعًا ثقافيًا حيًا. أجرى مسحًا ميدانيًا لتراث المقام في مختلف محافظات العراق، وسعى إلى توسيع التجربة بافتتاح فروع للبيت في الموصل وديالى وذي قار وكركوك، وتولى منصب المدير العام لبيوت المقام العراقي. وخلال تلك المرحلة، أقام خمسًا وعشرين دورة موسيقية ومقامية، بالتعاون مع كبار الفنانين، وأسهمت برامجه في إحياء وانتشار لون المربّع العراقي، الذي وجد في شاشته فضاءً جديدًا للحياة.

كما شكّل لجنة استشارية ضمّت نخبة من المثقفين والفنانين، منهم عبد الله المشهداني، و حسين علي محفوظ، و نوري حمودي القيسي، وجلال الحنفي، وحسين قدوري، وسلام حسين، وعبد الوهاب الشيخلي، وعباس جميل، وروحي الخماش، وغانم حداد، وغيرهم، بهدف تطوير عمل بيوت المقام والبرامج التراثية.

قدّم خلال مسيرته عددًا كبيرًا من البرامج التلفزيونية والإذاعية، من أبرزها: سهرة مع المقام العراقي، سهرة تراثية، على ضفاف التراث، ينابيع الطرب عند العرب، كلمة ونغم، كهوة عزاوي، تراث ما بين النهرين، مقامات عراقية، النغم الخالد، في رحاب المواليد النبوية الشريفة، إضافة إلى السهرات الأسبوعية في المتحف البغدادي التي استمرت خمسة عشر عامًا، بمعدل 48 ساعة تلفزيونية مقامية في السنة الواحدة.

في شخصيته الإعلامية، كان يحيى إدريس يمثل نمطًا نادرًا من الإعلاميين العراقيين: الإعلامي المثقف، الذي لا يلهث وراء الشهرة، ولا يستسهل الخطاب، ولا يساوم على القيمة. لذلك احتل مكانة خاصة بين زملائه، بوصفه واحدًا من الوجوه الهادئة العميقة، التي تعمل بصمت، وتترك أثرًا طويل الأمد. وقد أشار فنانون وباحثون إلى أن برامجه شكّلت أرشيفًا حيًا لفن المقام، وأن كثيرًا من الشهادات التي وثّقها ما كانت لتُحفظ لولا جهده وإخلاصه.

حين توفي يوم الجمعة 11 أيلول/سبتمبر 2020، عن عمر ناهز 75 عامًا، بعد صراع مع المرض، نعته نقابة الفنانين العراقيين، ونعته الأوساط الثقافية بوصفه باحثًا موسوعيًا في التراث الغنائي والمقام العراقي، وإعلاميًا كرّس حياته لحراسة الذاكرة الفنية.

رحل يحيى إدريس، لكن أثره لم يرحل. بقي في التسجيلات، وفي الأصوات التي أعاد لها الاعتبار، وفي فكرة أن الإعلام يمكن أن يكون فعل وفاء للتراث، لا مجرد مهنة. وبقي مثالًا لجيل آمن بأن الثقافة ليست ترفًا، بل شكلًا من أشكال المقاومة الهادئة ضد النسيان.

 

 


مشاهدات 53
أضيف 2026/01/16 - 11:17 PM
آخر تحديث 2026/01/17 - 12:57 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 32 الشهر 12180 الكلي 13119603
الوقت الآن
السبت 2026/1/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير