الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فِيْ مِئَوِيَّةِ النَّقْدِ الْأدَبِيّ العَرَبِيّ الحَدِيْثِ : طَه حُسَين ونَقْدُ المَعْرِفَةِ التَّارِيْخِيَّة 


فِيْ مِئَوِيَّةِ النَّقْدِ الْأدَبِيّ العَرَبِيّ الحَدِيْثِ : طَه حُسَين ونَقْدُ المَعْرِفَةِ التَّارِيْخِيَّة 

كريم عبيد علوي*  

 

يتضمنُ مطلعُ عامِ 2026 دلالةً رمزيَّة تتلخصُ بمرور مئة عامٍ على صدور كتاب :( في الشّعر الجاهليّ)  عام 1926 النَّصُّ المؤسسُ للنقد الأدبيّ العربيّ الحديث ، فهو بحق  يمثلُ ولادة النَّقد العربيّ الحديث ، ويمثل لحظة صيرورة ومخاض لتشكّل الفكر العربيّ التنويريّ الحداثويّ المنطلق منْ مَرجعياتٍ مُعاصرةٍ فِيْ دراسة الأدب والتُّراث بنحوٍ عامٍ متجاوزاً المسلمات  التقليدية برؤاها التُّراثيَّة من خلال تدشينه لمنهجياتٍ تدينُ للاستقصاء والحفر فيْ اجتراح المعارف  وتطرح قبلياتها التصورية التاريخيَّة وتخضعها للشك  والمُساءلة النَّقديَّة ، وتعيدُ النَّظرَ في المصادر التاريخية وتُخْضِعُ مروياتِها  منْ أخبارٍ  إلى التَّحليل والفحص والمراجعة في حيثياتها الزمنيَّة وصولاً لإرساء تصوراتٍ معرفية تتسمُ بالموضوعيَّة المنهجيَّة المنضبطة ، فقد اعتمدَ منهجَ الشَّك الديكارتيّ ، فكان ما كان من نقده لأصول الشّعر الجاهليّ وقضية الانتحال ، فهو يرى أَنَّ ملامحَ الحياة البدويَّة وصراعها القبلي لا تتراءى فِيْ مضامين الشّعر الجاهليّ فهو  قد وُضِعَ  في العصر الأمويّ ، فالقرآنُ الكريمُ وحدَهُ مِنْ يمثّلُ المصدرَ الذي يُطْمَأَنُ من خلاله  لرسم ملامح الحياة الجاهليَّة و وثنيتها  وصراعها القبلي . و قد اقتربَ فيْ تمييز شديدٍ بين تاريخ الأدب وبين  التاريخ بنحوٍ عامٍ ، فيستطيع ــ في نظره ــ من يؤرخ للثورة الفرنسيَّة أَنْ لا يتعاطفَ معها ولا يؤمن بأفكارِها ؛ بينما لا يستطيعُ مؤرخُ الأدبِ ألا يتذوقَ الأدبَ ولا يستلهم الجوانب الفنيَّة مكتفياً بالمعرفة التَّاريخيَّة وحدها ؛ ليصل إلى أَنَّ تاريخ الأدب يمثل منطقة وسطى بين العلم والفن وأنَّ تاريخ الأدب له صلة بتاريخ الأمم وآدابها ممن جاورت العرب وتلاقحوا معهم حضارياً ، فلابدَّ من معرفة تاريخهم . وهو يجزم بصعوبة وضع تاريخ للأدب العربيّ بدون وضع تاريخ سياسيّ عربيّ وتاريخ للمذاهب يتجاوز الكتاباتِ التَّقليديَّة مثل كتاب (الملل والنحل) للشهرستاني .وقد انتقد الكثيرَ من الدراساتِ المعنية بتاريخ الأدب العربيّ التي لم تنتهجْ السُّبلَ العلميَّة في دراسة الأدب وتوثيق الوقائع التَّاريخيَّة ، فهي في نظره أفادت من تراجم الشُّعراء وكُتُبِ الطبقات في عرض حياة الشاعر وأثرها في نتاجه الفني دون الإيغال في  الأبعاد الاجتماعيَّة والظروف الاقتصاديَّة والسياسيَّة المحدقة بظروف الأدب وبحياة الأديب . وشكَّك في الوجود التاريخي لشخصية امرئ القيس وفي شعره المنظوم بلغة قريش ، فهو من قبيلة كندة اليمنية التي تختلف لغتها عن لهجة قريش ، فهو يؤكد ــ من خلال تعويله على حفريات الفيلولوجيا اللغويَّة ــ الاختلافَ الكبيرَ بين العربيَّة الجنوبيَّة والعربيَّة الشماليَّة ، فالعربيَّة الجنوبيَّة التي ينطق بها القحطانيون العرب العاربة تختلف بدرجة كبيرة عن العربية التي ينطق بها العرب المستعربة من العدنانيين معززاً رأيه بمقولة اللغويّ أبي عمر بن العلاء حول اختلاف لغة الجنوبيين الحميريين بقوله: ( ما لسان حمير بلساننا وما عربيتهم بعربيتنا) ، فإذا كان ثمة شبه بين اللغتين فهو لا يتجاوز الشبه بين العربيَّة والعبرانيَّة أو العربيَّة والسريانيَّة ، فالعربيَّة القحطانيَّة وتشمل (الحميريَّة والمعينيَّة والسبئيَّة) في تصوره أقرب في الشبه إلى اللغة الحبشية ،  فهو بعد هذا يشكّك ويتساءل كيف نظم الشعراء القحطانيون شعرهم  بلسان غير لسانهم ؟ وكيف كان نثر الكلام لدى خطبائهم بلسان لا يختلف عن لسان قريش ولسان العدنانيين من العرب المستعربة ؟  فلا يمكن إلا أنْ يكونَ الانتحالُ والوضعُ قد أحدث صنيعه فيْ هذا الأمر . ويعضد رأيه هذا بالتفوق الاقتصاديّ والحضاريّ لليمن على شمال الجزيرة ، فاليمن أخضعتِ التحدياتِ  في أطراف الشام والعراق المستقوية بالروم والفرس تحت سلطان اليمن ،  فالمنطق يؤكد أنَّ لغة المغلوب تتأثر بلغة الغالب لا العكس ، وما كانت السيادة لقريش إلا في فترة متأخرة بعد مجيء الإسلام وتأسيس نظام الخلافة ليدحض فرضية العربية الأدبية  الموحدة التي يمكن أن يتأثر بها اليمنيون، فهي لم تكن موجودة قبل الإسلام  ، فالقرآن الكريم من أوجدها . فما بال  سجع كهان اليمن ــ كما يقول طه حسين ــ هو في لسان قريش ؟ وما بال ما يُنْسَبُ من شعر إلى العرب البائدة من عاد وثمود هو في لغة قريش على الرغم من بون المسافة التاريخية بينهم ؟ وحاول أنْ يدحضَ فرضية هجرة القحطانيين إلى الشمال في تفسير تأثرهم بلغة العدنانيين بعد حادثة سيل العرم الذي مزق مملكة سبأ في الجنوب ، فليس هناك دليلٌ تاريخيّ يقطع بهجرتهم إلى الشمال على الرغم من جزمه بحدوث السيل وما خلف من هجرات. وحتى قبائل عدنان المستوطنة في الجزيرة لم تكن تنطق بلهجة واحدة ، فلهجاتها متعددة ، فكيف كان شعر امرئ القيس ــ وهو من كندة القحطانية ــ لا يختلف عن لهجة قصائد العدنانيين؟  وكيف كانت معلقات العدنانيين واحدة في ألفاظها وتراكيبها النحوية ؟ فهو يؤكد بأن الشك ينتهي بنا إلى فرضيتين : أَمَّا نفي هذا الشعر الذي يُنْسَبُ إلى الشعراء الجاهليين والقول بانتحاله بعد نزول القرآن الكريم ، وأَمَّا القول بنفي التنوع اللهجي بين القبائل العربية . والفرضية الأخيرة يرفضها البحث الفيلولوجي الحديث في حفرياته اللغوية التي أثبتت الخلاف اللهجي  . وإذا كان التاريخ الإسلامي يثبت بما لا يرتقى له الشك  بأن الاختلاف اللهجي حصل في تلاوة النص المقدس القرآن الكريم بين القبائل مما دعا إلى توحيد المصاحف بلغة قريش خشية وقوع الفتنة بين المسلمين ،الأمر الذي أفرز بعد حين ظهور علم القراءات القرآنية ، فكيف يستقيم الأمر في لغة الشعر الجاهلي ويتم أنشاد الشعر وروايته بلهجة واحدة ولا يحصل خلاف في روايته ؟ وبعد سيادة قريش وانتشار الإسلام وتدوين القرآن ترك ذلك  كله أثراً في خلق عربية أدبية هي العربية الفصحى التي تغيب فيها الفروق اللهجية اليومية  ،فهذا الشعر المنسوب إلى العصر الجاهليّ  يتسم بكل سمات العربية الأدبية الفصحى التي هي عربيَّة قريش مما يعزز فرضية الانتحال . وهناك أسباب كثيرة للانتحال ،منها عودة الروح العصبية لأسباب سياسية بعد استئثار قريش بالخلافة دون الأنصار ، والخصام بين قريش والأنصار ، فربما اضطرهم ذلك إلى وضع شعر يتفاخرون به يمجد أصلهم ويبرهن على أصالتهم التاريخية في سرديات زائفة تؤسس للتنافس والصراع المحموم ، فطه حسين  يضع قاعدة أنَّ الشعر كلما علتْ فيه نبرةُ العصبية دخل فيه الشَّك والانتحال . كما أنَّ الصراع بين الموالي والعرب الذي تطور إلى الحركة الشعوبية في ازدراء  العرب وبواعث هذا الصراع من التنافس السياسي والهيمنة والتهميش دفع الفريقين إلى اصطناع مأثورات شعرية زائفة لهجو خصومهم وللإعلاء من شأنهم والادعاء بقدم أدب كل منهما  . وهو يرى أنَّ شعراء اليمانية مُخْتَرَعُوْنَ اختراعاً ،فهناك شخصيات شعرية يمنية مُخترَعة لا وجودَ تاريخياً لها كامرئ القيس ، فمن خلال مقاربة سيرته مع سيرة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي يرى أنَّ القهر السياسيّ والاجتماعي التي مُنيتْ به كندة وبنو الأشعث في صراعهم مع الأمويين اضطرهم إلى تعمية وتشفير صراعهم بقناع رمزي هو شخصية امرئ القيس الخيالية التي لا تمتلك وجوداً تاريخياً حقيقياً ،فعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس انتفض ضد الحجاج فانهزم ولجأ الى ملك الترك فغدر به الملك ولم ينصره ،فهي قصة شبيهة  بقصة  امرئ القيس وطلبه الثأر لأبيه واستنجاده بقيصر الروم التي تنتهي بالنهاية التراجيديَّة نفسها . وكان بنو الأشعث قد استأجروا القصاص لوضع الأخبار لهم ، فهل يُعْقَلُ أنَّ امرأ القيس في رحلته إلى الرومان وزيارته لبلاط قيصر لم تدهشه الحضارة ورقي الحياة فلا ينعكس ذلك في وصف شعره ، وامرؤ القيس يمني من كندة فكيف يصح أنَّه نظم الشعر بلغة قريش ؟

ولعل جرأته النقدية وتمييزه بين المعرفة الدينية والمعرفة التاريخية ، فالأخيرة تستند ــ في نظره ــ في إثبات الوقائع على الأدلة والمصادر التنقيبية  أقول  لعلَّ جرأته هي من فتحت عليه باب الخصومة العقائدية من خلال قوله : للتوراة أن تحدثنا عن نبي الله  إبراهيم و للقرآن الكريم أن يحدثنا عنه ولكن تبقى مسألة القول بوجوده هي قضية تاريخية لا تثبت إلا بالمدونات التاريخية والوثائق وحدها ، مما اضطره بعد محاكمته للتراجع عن رأيه وحذف ما كان قد صرَّح به  في كتابه وليعيد طباعته سنة 1927بعد عام من صدوره الأول باسم جديد هو ( في الأدب الجاهليّ) . إن الاشتباك المعرفيّ المرتكز على الشَّك مع مرويات غير موثوقة انتهت به إلى أفكار عدة كان من أبرزها نقده للمرويات التاريخية المتعلقة  بنزوح إبراهيم وإسماعيل إلى مكة وما تتضمن من دلالة اجتماعية بغية خلق روابط تاريخية بين العرب واليهود بهدف خلق وفاق مشترك  وتعايش سلمي بين مكونين يستوطنان المكان نفسه في الجزيرة العربية  للتخفيف من وطأة الصراع العقائدي  بينهما ، فلاشك  أنَّ نقد السرديات المؤسسة للهوية يحدث جرحاً نرجسياً  لا يمكن أنْ يتحملَ ألمَه الشديدَ من ألِفَ التفكيرَ  غير الحر ولم يألف النظر الأكاديمي المرتكز على مرجعيات منهجية موضوعية ، فاصطدم بالتفكير التقليديّ في مؤسسة الأزهر على الرغم من أن مسألة الانتحال ليست بالمسألة الجديدة ، فقد هجست بها المصادر النقدية التراثية كطبقات فحول الشعراء لابن سلام وغيره ، ولكن يبدو أنَّ الصراع كان صراعاً رمزياً حول احتكار المعرفة  من قبل مؤسسة تقليديَّة محافظة وبين تشكل معرفة جديدة تدين للمنهج العلمي وتتحرر من أسر سلطة المعرفة التقليدية في انفتاحها على الحياة وأسئلة الواقع ومراجعة التراث ونقده . هذا الأمر يتأكد بنحو واضح بعد مطالعة سيرته الذاتية ( الأيام) وتحديداً في جزئها الثالث ، فهو  يصرِّح بأنه قد تفرغ لكتابة سيرته بعد حادثة نشر كتابه( في الشِّعر الجاهليّ) وبعد فصله من الجامعة ؛ فهو يروي لابنته وابنه  أنَّ أباكما لم يكابدْ من محنة العمى وكفِّ البصر وما قاساه من شظف العيش وفقر ذات اليد وحدهما بل واجه ما هو أقسى وأمر لقوله بآراء حرة تأبى التقليد وترفضُ المداهنةَ ، فحرص على أن ينتقد أساليب التدريس التقليدية في معاهد الأزهر آن ذاك مصوراً صراعهم وتدافعهم وتنافسهم النفعي بما لا ينسجم مع القيم الدينية التي يبشرون بها ، وروى بمرارة تعرضه للإقصاء والطرد بسبب جرأته النقدية لطريقة الشيوخ في التدريس . وبعد حين اختار طه حسين الكتابة التاريخية المباشرة في مراجعة حوادث الفتنة بعد مقتل الخليفة عثمان وأخبار الاقتتال الأهلي بين أهل المدينة والبصرة والكوفة وحرب الامام علي مع معاوية وصراع الأمويين مع عبد الله بن الزبير؛ بتحليل تاريخي ينفذ للمحركات الاجتماعية بعيداً عن سرديات التاريخ الرسمية وبعيداً عن التأويلات التبريرية التي يفرزها فقه الأحكام السلطانية بمختلف مرجعياته المذهبية في التماس الأعذار للأطراف المناوئة لبعضها البعض وأحقيَّة موقف البعض وتأثيم الآخر ضمن أطراف الصراع والاقتتال الأهلي . فلحظة التدوين وتثبيت المرويات الشفوية وتحريرها بمدونات تاريخية رسمية هي مرحلة تشكل للذاكرة ويحكمها منطق الصراع والمصلحة فيتم استبعاد بعض الأخبار والإبقاء على البعض الآخر وصولاً إلى الوضع وانتحال الأخبار بهدف التبرير والتأويل وإضفاء صفة شرعية على تصورات ومواقف تاريخية معينة ، فهو ينطلق من رؤى واقعية تتجاوز  الموروث من تأويلات الفتنة وفعل التأثيم محاولاً نزع الأسطرة والتعاطي بواقعية مع لحظة وفاة الرسول(ص) والتحاقه بالرفيق الأعلى وما شكَّل ذلك من صدمة ومحنة كبيرة يصعب إدارة أزمتها على المسلمين ،فحداثة التجربة في إدارة  الكيان السياسيّ في الجزيرة العربية لا شك هي من تفضي لتلك الصراعات  التي لا ترتكز على خبرات تنظيمية سابقة  ، فهو قد استلهم فكر  الشيخ علي عبد الرازق في كتابه :( الإسلام وأصول الحكم ) وقوله إنَّ مشروع الرسول (ص) هو مشروع ديني وروحي وقيمي أخلاقي محض ولا يستند إلى بناء دولة بمفهومها السياسي. و علي عبد الرزاق واجه الطرد والمحاكمة كما واجهها طه حسين نفسه ، ولم يفصل بين الحادثتين سوى عام واحد .والاثنان معاً عاصرا مرحلة تشكل تصورات سياسية جديدة متشددة تنطلق من فكرة إعادة الخلافة الدينية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية  تستند إلى مرجعيات فقهية تراثية. ومن يراجع خطاب طه حسين الحجاجي في كتابه( الفتنة الكبرى) في دعوته للفصل بين التاريخ ومراجعة الوقائع والتحري منها في ضوء ظروفها الاجتماعية والسياسية وما بذل في سبيل ذلك من حشد تحليلي في أساليب التحرر من الأهواء والعواطف والمسلمات المذهبية  بغية الاتصاف بالموضوعية سوف يدرك النضال الفكري المرير الذي كان يكابده في اقناع التلقيات التقليدية التي ليس في معهودها مراجعة الحوادث التاريخية الكبرى ونقد أخبارها بموضوعية متحررة من العواطف . ولعلَّ المفكر العراقيّ علي الوردي في كتابه (وعَّاظ السَّلاطين) قد استلهم منه النقد التاريخي في أخبار الفتنة ، فهو يستأنس بآراء طه حسين صراحة ، وشكك الوردي أيضاً بوجود شخصية عبد الله بن سبأ التي يُنسَبُ  إليها بذر الفتنة والانشقاق بين المسلمين ، وهذا ما اقترب منه طه حسين من قبل . وقد حاول الورديّ  تجاوز القراءات المذهبية لحوادث الفتنة والانقسام ؛ مما أفرز سجالات بين الوردي وبين خصومه اضطرته إلى المضي إلى شوط أبعد في نقد نظم التفكير التراثية المستندة في جدلها إلى المنطق الأرسطي من خلال كتابه( مهزلة العقل البشري) وما أحدث من صدمة في التلقيات ، ثم رسَّخ منهجه  بعد حين في قراءة تاريخ العراق المعاصر من منظور المنحى التكويني الاجتماعي فأصدر موسوعته( لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) . والاثنان طه حسين والوردي لا ينهلان من المناهج الحديثة فحسب بل ثمة روافد مرجعية تراثية  اجتماعية في نقد التاريخ نهلا منها تمثلت بفكر ابن خلدون في مقدمته الاجتماعية لكتابه في التاريخ( العبر وديوان المبتدأ والخبر) ، فكلاهما عُني بفكر ابن خلدون في مقدمته . وممن أفاد من فكر طه حسين المفكر التونسي (هشام جعيط) في كتاباته عن السيرة النبوية ، فقد اعتمد ترتيب النزول التاريخي للسور في التاريخ للدعوة النبوية و التمييز بين مراحلها معتمداً القرآن الكريم مصدراً مركزياً،  فهو  المصدر الوحيد الذي لا يرتقي اليه الشَّك في توثيق الحياة الجاهلية وحياة النبي (ص) بينما كتب السيرة دخل فيه الوضع لأسباب مختلفة.

 و بعد مضي قرن على صدور كتابه المؤسس ( في الشعر الجاهلي) فقد تطورت المناهج النقدية العربية واستوعبت في تلقياتها المناهج السياقية والبنيوية واللسانية والسيميائية والسردية ومناهج تحليل الخطاب والنقد الثقافي والنقد الحضاري الاجتماعي ، و لا يخفى على المطلع على الدراسات النقدية للنظم المعرفية العربية مدى تطورها في توظيفها لمنهجيات متطورة جدا تبدو إزائها محاولة طه حسين التأسيسية متواضعة  جداً كتجربة محمد عابد الجابري في كتابه :( تكوين العقل العربي) وكتابات طيب تزيني ،وعبد الله العروي   ،ونصر حامد أبو زيد في  كتابه( الإمام الشَّافعيّ وتأسيس الأيديولوجيا الوسطيَّة)  ،  فهذه الكتابات وغيرها من كتابات حداثوية نقدية متطورة لم تكتف بنقد المعرفة التاريخية بل قامت بتفكيك ونقد النظم المشكلة لتلك المعرفة في مشاريع التدوين الرسمي ونقدها للظروف التكوينية المسؤولة عن انبثاق علوم شارحة للنص القرآني المقدس ، وجهدت في تشخيص المحركاتِ والدوافع الاجتماعية التي تؤطر تاريخ التدوين وتَشَكُّلِ المعارف التراثية الأصولية ، فمنطق الصراع كان حاضراً في خضم ذلك . ومهما بدت نظرات طه حسين متواضعة ــ في لحظتنا المعاصرة هذه ــ  في نقد المعرفة التاريخية إزاء هذه الدراسات المتطورة لكن تبقى منطلقاته هي النواة المؤسسة لهذا النظر المعرفي المتقدم وهو أول من اصطدم بالتابوات الثقافية . ومما يؤسف له أنَّ معظم المراجعات الحفرية النقدية لتأسيس النقد العربيّ على يد طه حسين انشغلتْ بإثبات أو نفي مرجعياته الاستشراقية في طروحاته النقدية ولم تنظرْ للظروف التكوينية الاجتماعية في تشكيل خطابه النقدي ومواجهته للمؤسسات التقليدية. بل حتى المنطلقات الحداثوية في حفرياتها المراجعة ما زال معظمها منشغلاً بنفي علمانية طه حسين والتأكيد على قوله بمركزية القرآن الكريم في رسم الملامح للوقائع الجاهلية ، وأنه قد حج بيت الله الحرام وحينما وصل إلى الديار المقدسة في الحجاز قبَّل ثراها بلحظة انفعال عاطفي في مشاعر روحية صادقة ، كل ذلك يُوظَّفُ في خطاب يستحضر الآخر المشكك في ردِّه النقديّ ؛ بينما خاض طه حسين معركته الفكرية و صراعه النقدي بجرأة وشجاعة وثبات على الرغم من كف البصر وفقر ذات اليد والأذى في التشهير والتأثيم والأبعاد عن الوظيفة دون مواربة مهما كلفه ذلك من ثمن . إنَّ استدعاء طه حسين في  حفريات المعرفة الحداثويَّة العربيَّة وتجزئة أعماله النقدية وعدم النظر إليها بوصفهاً مشروعاً نقدياً واحداً والنظر إليه من خلال الحداثة النقدية الأدبية وحدها دون النفاذ إلى محركات الحداثة الاجتماعية ونقد السلطة المعرفية التراثية هو أمر يصبُّ في تسطيح فكره التنويريّ الرياديّ ويشي بأنَّ خطاب الحداثة مازال مأخوذاً برُهاب خطابِ الشيطنة والتأثيم المناهض للتنوير وقيم الحداثة ويتوجَّس منه ، فيلجأ إلى مناطق آمنة تلخص الحداثة بالحداثة الأدبية وحدها دون أن تشرع نوافذها على باحات الريادة والتنوير في الحداثة الاجتماعية والحداثة السياسية في نقدها للمشاريع  المتشددة التي تستلهم مقولاتها الإحيائية من تراث الخلافة وفقه الأحكام السلطانية بعيداً عن روح العصر وعن الحقيقة التاريخية التي يجلوها البحث الموضوعي المرتكز على المعرفة المنهجية وحدها .

*باحث وتدريسي بجامعة بغداد


مشاهدات 70
الكاتب كريم عبيد علوي
أضيف 2026/01/13 - 3:47 PM
آخر تحديث 2026/01/14 - 3:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 130 الشهر 9975 الكلي 13117398
الوقت الآن
الأربعاء 2026/1/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير