محسن العلي صديق الغربة والوطن.. فنان كبير أنجز أرشيفاً حياً لروح المجتمع العراقي
ياس خضير البياتي
وداعًا محسن العلي… المبدع الذي ظلمه الوطن وبقي في الذاكرة
كان مقرّرًا أن تُنشر مقالتك الأسبوع القادم ضمن زاوية «مبدعون في الذاكرة»، لقاءً مع الإبداع لا مع الغياب، احتفاءً بالحياة لا مرثية للفقد. كنت أتمنى أن تقرأ هذه الكلمات بنفسك، فأعرف أن المرض لم يكن يحتاج إلى الدواء وحده، بل إلى معنويات، إلى دفء شهادة حب تقول إنك لم تكن عابرًا في هذا الوطن، وإن أثرَك أعمق من الألم، وأبقى من الوجع.
لكن الموت كان أسرع من الموعد، فسبق المقالة، وفرض على الذاكرة أن تكتبك وداعًا لا انتظارًا. رحل محسن العلي، ذلك الفنان الذي لم يكن صوتًا عابرًا على خشبة المسرح، بل وهجًا دائمًا لا ينطفئ. في ليلة باردة من ليالي كانون الثاني/يناير 2026، أسلم الروح بعد صراع طويل مع المرض، عن عمر يناهز الثالثة والسبعين، تاركًا خلفه فراغًا قاسيًا يشبه ليلًا بلا نجوم. غابت ابتسامته، وبقي صدى صوته يتردد في أروقة المسرح العراقي كأنينٍ في وادٍ خالٍ، فيما غطّى الحزن سماء الفن بلونٍ داكن لا شروق بعده سريعًا.
كان رجلًا من طين الأرض، ونجمًا من سماء الإبداع. جمع بين التمثيل والإخراج والبحث، فصار نموذجًا للفنان الذي لا يكتفي بالأداء ،بل يغوص في عمق الأنسان ، ويجعل من المسرح مرآةً للحقيقة؛ مرةً، جارحة، وصادقة.
ترك خلفه عشرات الأعمال المسرحية والإذاعية والتلفزيونية، تشهد له بخلود لا تصنعه الأضواء العابرة، بل الصدق الفني، ذلك الصدق الذي لا يموت حتى حين يغيب صاحبه.
من تراب نينوى، وبين أزقة الموصل العتيقة، حيث تختلط الحكايات برائحة التاريخ، وُلد العلي في خمسينيات القرن الماضي.
هناك تشكّلت ملامحه الأولى، كزهرة نبتت في حديقة الفن الموصلي، هادئة في ظاهرها، عميقة في جذورها. بدأ مسيرته الفنية في السابعة عشرة من عمره، متألقًا في مسرح الشباب وفرقة الرواد، حيث التقطه أستاذه محمد نوري طبو كنجم صاعد، ورأى فيه مشروع فنان مختلف.
في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وفي بغداد التي كانت تنبض بالمسرح والفن، بدأت صداقتي مع محسن العلي.
كان رجلًا شهماً، يجمع بين طيبة القلب ونباهة المسرح. كانت تلك السنوات زمن ازدهار الخشبة العراقية، وكان بابتسامته الدافئة وتواضعه الصادق، يفتح مسرحه للأصدقاء كما لو كان بيتًا.
كان يدعوني وعائلتي إلى معظم عروضه في منتصف الثمانينات ببطاقات خاصة، لا تشبه دعوات الجمهور، بل تشبه دعوة إلى جلسة عائلية حميمة تحت أضواء الخشبة. لم يكن يعتبرنا متفرجين فحسب، بل شركاء في الرحلة.
بعد كل عرض، كان يأتي إلينا خلف الكواليس، يسأل عن رأينا بقلق الفنان الحقيقي الذي لا يطمئن بسهولة، ويضحك بصوته الجهوري حين يستوقفه تعليق عفوي من طفل.
تلك البطاقات لم تكن ورقًا، بل مفاتيح إلى عالمه الإنساني، حيث يتحول المسرح إلى بيت، والفن إلى رابطة محبة.
في مسرحيته اللافتة «بيت وخمسة بيوت»، رسم لوحة دقيقة لتناقضات الأسرة العراقية، لوحة تبكي وتضحك في آن واحد. أعجبتني قدرته على التقاط التفاصيل اليومية، فكتبت عنها مقالة نقدية في مجلة فنون، أشدت فيها بعمق الحوار وسخريته الكاشفة.
عندما قرأها، اتصل بي متأثرًا وقال: «نقدك منحني أجنحة جديدة… رأيت في عملي ما لم أره أنا». منذ ذلك اليوم، تعمقت صداقتنا، وتحوّلت نقاشاتنا إلى حوار أخوين يخوضان معركة الفن بشغف وصدق.
كان محسن يحكي لي عن بداياته في الموصل، وعن عشقه الأول للمسرح، وأنا أراه يتحول أمامي من فنان إلى أبٍ يرعى أحلام الآخرين. تلك الليالي البغدادية، بــــــين ضوء الخشبة وضحك العائلة، صارت اليوم ذكريات موجعة، لكنها مشبعة بالفخر.
قدّم هذا الفنان الكبير عشرات الأعمال المسرحية التي شكّلت أرشيفًا حيًا لروح المجتمع العراقي. كان يمثل ويخرج وينتقد نفسه بصرامة، كمرآة صافية تعكس الجمال والعيوب معًا.
كان يؤمن أن المسرح العراقي كان رائدًا عربيًا في نقل تناقضات المجتمع إلى الخشبة، لا كترفٍ فني، بل كصرخة صامتة في وجه القهر. هكذا صار صوته سيمفونية حزينة، لكنها مشبعة بالأمل. من أبرز أعماله الخالدة:» بيت وخمسة بيوت»، و»أطراف المدينة»، و»مقامات أبي سميرة»، حيث قدّم الحياة الشعبية بسخرية لاذعة وصدق جارح.
وفي» في الجنة تُفتح الأبواب متأخرة» و»الباب العالي وابن البلد»، غاص في أعماق الإنسان، مصورًا الحلم المؤجل كطائر مقصوص الجناحين. أما أعماله المشتركة مثل» اكتب باسم ربك» مع فلاح شاكر، و»السقوط مع دريد لحام»، فقد أعادت للإنسان المثقل بأوهامه صوته، وتحولت إلى نصوص راسخة في الذاكرة. عُيّن في مؤسسة مدينة الإبداع بالمنطقة الحرة في الفجيرة مديرا عاما لها، وكان يسألني دائمًا عن المدينة ومثقفيها، بحكـــــــم إقامتي الطويلة فيهــا. كان آخر لقاء لنا قبل عام في الإمارات، لقاءً لا يزال صداه يعصف بالقلب. شاركنا الغربة في الإمارات لسنوات طويلة، لكنه لم يشارك الوطن غيابه قط. كان وطنيًّا حتى في منفاه، يحمل العراق معه أينما حلّ، حزينًا على فراقٍ لم يختره، بل فرضه عليه الخراب والقلق الأمني.
وكنت، كلما طال بنا الحديث، أشعر أن هذا الوطن لم يكن عادلاً معه؛ أنه اكتفى بالتصفيق لوهجه، ثم تركه وحيدًا في الظل، ولم يمنحه ما يستحقه من رعاية واعتراف كمبدعٍ كبيرٍ سبق زمنه.
في جمعةٍ حزينة، استسلم أبو علي للمرض، تاركًا أبناءه عليًا وعمرًا وفاطمة ومريم، في تناغمٍ جميل للأسماء يتجاوز الطوائف، وشريكةَ عمرٍ مخلصةً في رحلة الحياة، وقلوبًا كثيرة مكسورة. نعتْه نقابةُ الفنانين بكلماتٍ مرتجفة، وبقي المسرح بعده يتيمًا، فيما راح الجمهور يتحسس ذكراه كمن يبحث عن بصيص نور في عتمة الفقد.
رحمك الله يا صديق الغربة والوطن، يا محسن العلي. تمضي الأجساد، لكن ما يصنعه الصادقون لا يرحل؛ يبقى أثرًا دافئًا في ذاكرة الخشبة، وصوتًا خافتًا في ضمير الوطن، ودرسًا أخلاقيًا في معنى أن يكون الفنان أكبر من الجائزة، وأصدق من التصفيق.
نم قرير العين، فقد أديت رسالتك كاملة، حتى وإن قصّر الوطن في رد الجميل. وداعا أبا علي الغائب الحاضر.