حقن الغيوم
عدنان سمير دهيرب
ثمة علاقة طردية بين غيوم الخرافة والشعوذة والغيبيات مع التخلف والجهل لحجب ضياء المعرفة والوعي للوصول الى الحقيقة التي تتجلى بالمعرفة وتُكشف بالحرية . إذ أن تلك الغيوم أصبحت أمراضاً تحقنها قوى تقليدية بما يلتقي مع مصالحها وجشعها . فيما ينحني الانسان ويتماهى معها ، لاعتقاده إنها الصواب الذي يجب أن يؤمن به ، بعد أن نُزعت إرادته ، وأفقر عقله ، وهو نتيجة طبيعية للفقر متعدد الابعاد الذي بلغ وفق هيئة الإحصاء بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وفريق أوكسفورد لعام 2025 ، نسبة 36,8% من العراقيين ، أي يربو على 17 مليون نسمة ، يقاس وفق مؤشرات التعليم ، الصحة ، مستوى المعيشة ، العمل والتعرض للصدمات . ويؤكد التقرير أن 17,5% يعانون من فقر الدخل ، بعد أن دخل العراق في خانة الجوع المعتدل العام الماضي حسب منظمتي World wide Concern , Weithungerhilfe الألمانية . فقد أظهر جدول أعدته المنظمتان ، أن العراق إحتل المرتبة 70 بحصوله على 14,9 نقطة من أصل 125 دولة مدرجة في الجدول .
إن الفقر المادي ينعكس على الفقر العقلي الذي يبحث عن الخرافات والوعود التي يطلقها بائعو الأوهام . حين ينحصر تفكير الانسان بتوفير حاجاته الضرورية لإدامة البقاء في الحياة ، والبحث عن الآمال في نفوس منكسرة ، ليصبح الحديث عن الحرية ، العلم والثقافة ونحو ذلك كماليات تثير السخرية لدى بطون جائعة وعقول خاوية ، تبحث عن جهات تلبي حاجاته الاساسية ومنابر تطمئن العقول بخطابات ترسخ القناعة والرضا بالفقر مع الايمان بالقدر المتوارث . والعودة الى الوراء ، الى حوادث الزمن البعيد ، الى حكايات نرددها في اللاشعور ، لتصبح سلوكاً يتشابك مع شخصيتنا .
تلك الأساليب والتدابير التي تتخذها المؤسسات المؤثرة في المجتمع سواء كانت قوى تقليدية أو برامج حكومية أو خطابات تضليلية لأحزاب سياسية تؤدي الى الخداع الناعم ، وتالياً الى خضوع تلك الشرائح الاجتماعية التي تجد في عطاياها مكرمات تبعث على الاهتمام ومن ثم الولاء والخضوع ، وهي من أساليب الأنظمة الاستبدادية . وبذلك تتكاثف الغيوم لتطويق قدرة الانسان على الحركة والمبادرة والحلم والابداع الذي ينتج من الألم ، وتسهم في إعاقة التقدم والنهوض . للوصول الى غايات تشكل الأولوية في صياغة قرارات تحقق المصالح الشخصية والانانية والسلطة ، لا المسؤولية الاجتماعية والقانونية والأخلاقية ، ما يفضي الى نتائج سلبية تطال الجميع ولو بعد حين . بفعل التراكم السلبي وعدم بناء الانسان وعمران المجتمع وغياب العدالة الاجتماعية ، التي تُعد مقدمات للتخلف والانحطاط وفي أحسن الأحوال الركود . لأن تلك الجهات لا تدرك وفق أريك فروم ، الجشع مثل ( الخنوع ) يورث الغباء والبلادة حتى فيما يتعلق بالمصالح الحقيقية للإنسان .