الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رفقاً بالأبناء.. أيها الآباء

بواسطة azzaman

نقطة ضوء

رفقاً بالأبناء.. أيها الآباء

محمد صاحب سلطان

 

سأبدا مقالتي هذه بعبارة إحتفظت بها بين أوراق دفاتري القديمة، لشخصية أثارت الكثير من الجدل في حياتها، وجدت من المناسب تناولها لدلالتها المعرفية والإنسانية برغم بساطتها، يقول فيها (آل باتشينبو): (في هذه الحياة ستتعلم كل شئ وحدك، إلا القسوة سيقوم شخص آخر بتعليمها لك)، فيا ترى من هم الأقرب لنا، أليس الأهل والأقارب والأصدقاء وزملاء الدراسة والعمل، منهم نتعلم كل شئ، ولا سيما الأب والأم، فهم يصنعون عجينة التشكل الأولى وكيف يكون سلوكنا، وبأي عين ننظر للحياة، قناعة وتواضع ومحبة أو عدم رضا، من عالم معاش نحاول أن نتصنع فيه الفرح بمجسات الأنا والتكبر وعدم مراعاة مشاعر الآخرين ،حتى يصبح البعض حادا مثل دغل أشواك يوغزك ما إن تقترب منه.

ما دفعني إلى سوق ما ذكرت، حضوري مع العشرات من عوائل طلبة جامعيين، لفعالية أطلق عليها (إحتفالية تخرج) لإحدى الجامعات في بغداد، وأول ما يتبادر إلى الذهن، تساؤل مشروع هو كيف يحتفل بتخريج طالب جامعي وهو لم يكمل الفصل الاول من سنته الدراسية الأخيرة، وهذاأمر غريب يتقاطع والعرف الجامعي، كون إحتفال التخرج يكون نهاية العام الدراسي، حتى نحتفي بثمرة جهد قدمه الطالب، تشارك فيه الجامعة والعائلة معا، وأيضا يعد عرفانا لما قدمه الأهل، الذين أوصلوه لهذا المستوى من التعليم الجامعي، والأكثر غرابة لم يكن هذا الإحتفال داخل حرم الجامعة، بل في مجمع سياحي!، شهد الكثير من البهرجة والفخفخة التي لا تتناسب مطلقا وطبيعة المناسبة، فلم يكن المشهد حفلة تخرج، بل عرس جماعي بجميع مستلزماته، من دون مراسم معتادة لها علاقة بإجوائنا الجامعية، فلا حضور للملاكات التدريسية ولا كلمات  ولا لافتات تنبئ عما يجري، مجرد فوضى بأغاني فجة، وهوسات وعراضة ما أنزل الله بها من سلطان، والخريجون والخريجات يتراقصون بميوعة، تؤكد إن ما نراه لا علاقة له بمستقبل حسن، نأمل أن يتبوء فيه هؤلاء الشباب مواقع تخدم بلدهم، حتى بات التشبه بحفلات الغرب هي المرغوبة في أوساط شبابنا، بيد أن كل ما شاهدناه تجرعنا سمه وقبلناه، لكن الأغرب الذي لم نستطع هضم إفرازاته، هو تصرف بعض العوائل الحاضرة التي لم تحترم مشاعر الآخرين من خلال إستعراض غناهم ونزق ثراهم الفاحش، الذي من المؤكد قد جمعوا غالبه بطرق غير مشروعة، وهاهم يستعرضون هداياهم لإبنائهم وعلى الملأ، التي شملت سيارات آخر موديل، سلاسل ذهبية وحلي ومعاضد وحجول! ،قلائد من فئة المئة دولار مربوطة على شكل سلاسل متعددة الأشكال يوازي طولها طول المحتفى به، أو من عملة الخمس والعشرين ألف الحمراء إستخدمت بديلا عن أكاليل الزهور التي يفترض أن تطوق الأعناق.. والذي أحزنني أكثر من الذي أشرت إليه، هو ملاحظتي لطالبة كانت دمعتها تتراقص على خديها مثل خيط متشظي، وطيلة الإحتفالية ظلت تجهش بالبكاء من دون توقف، وعندما سألت عنها، قيل إنها يتيمة؟. وها أنا اليوم أوجه كلامي إلى الآباء والأمهات، وأدعوهم إلى إحترام مشاعر الآخرين من خلال المحافظة على توازن أبنائهم، لا تشجيعهم على اللآمبالاة والتعود على الإكتناز بمظاهره الخداعة، التي لا تبني لنا جيل المستقبل، علموهم على الحرص وأحترام الغير بالتقويم والإرشاد والسلوك الحسن، والتواضع وعدم التكبر، لا تزرعوا في نفوسهم ما يؤذي الآخرين، وإذا ما أردتم الإحتفاء بأبنائكم ولكم الحق فيما ترغبون من الهدايا والعطايا، فلتجعلوا إحتفالاتكم في بيوتكم أو في أماكن خاصة لا في الأماكن العامة وأمام أنظار الجميع وبهذه الطريقة السمجة التي تستفز المشاعر، وتذكروا بإن الغالبية من الناس هم على قد الحال، والله أعلم كيف أوصلوا أبناءهم لمثل هذه المرحلة الدراسية، بعضهم حرم نفسه وعائلته من أبسط عوامل العيش، كي يوفر القسط الجامعي وتكاليف الكتب والقرطاسية والتنقل، وبعضهم أثقلته الديون والسلف لإجل ذلك، فيما المتبطرون يزيدون الطين بلة، بإستعراض غناهم الأهوج، مما يؤثر على النمط السلوكي للأبناء ونظرتهم للحياة وتحدياتها.. فرفقا بالأبناء.. أيها الآباء!.

 

 

 


مشاهدات 27
الكاتب محمد صاحب سلطان
أضيف 2026/01/03 - 2:05 AM
آخر تحديث 2026/01/03 - 3:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 123 الشهر 1329 الكلي 13108752
الوقت الآن
السبت 2026/1/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير