التنمية المستدامة.. الطريق إلى مستقبل مزدهر للمجتمع
عصام البرّام
لم يعد مفهوم التنمية المستدامة اليوم ترفاً فكرياً ولا شعاراً يُرفع في المؤتمرات، بل أصبح ضرورة ملحّة تسعى الشعوب إلى تحقيقها بوصفها المخرج الآمن نحو مستقبل متوازن وقادر على الصمود أمام الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المتلاحقة. وفي العراق، يكتسب هذا المفهوم بعداً أكثر عمقاً، لأن البلد يعيش منذ عقود قليلة مضطربة شهد فيها الحروب والعقوبات والاضطرابات السياسية وتراجع البنى التحتية. ولذلك فإن الدخول إلى ميدان التنمية المستدامة ليس خياراً مؤجلاً، بل هو الطريق الحقيقي لبناء مجتمع مزدهر يستعيد طاقاته وفاعليته ويؤسس لجيل جديد قادر على حمل مسؤوليات المستقبل.
التنمية المستدامة… رؤية تتجاوز الاقتصاد التقليدي
يقول خبراء الاقتصاد؛ إنّ التنمية المستدامة تقوم على ثلاثة محاور متكاملة: الاقتصاد والمجتمع والبيئة. وهذه المحاور الثلاثة ليست مجرد قطاعات منفصلة، بل هي منظومة متشابكة لا ينجح أي منها بمعزل عن الآخر. فالاقتصاد لا يزدهر من دون مجتمع مستقر قادر على الإنتاج، ولا يمكن للمجتمع أن يتطور في ظل بيئة مهددة بالتلوث والتصحر وشح المياه. وفي الحالة العراقية تبدو هذه المحاور الثلاثة مرآة لواقع معقد، لكنه في الوقت نفسه يحمل فرصاً كبيرة إذا ما أُحسن توجيهها.إن الاقتصاد العراقي، رغم كونه واحداً من أغنى اقتصادات المنطقة بالثروات الطبيعية، لا يزال يعاني من الاعتماد المفرط على النفط الذي يشكل المورد الرئيسي للدخل القومي. وهذا النموذج الاقتصادي أحادي المصدر لم يعد قادراً على تلبية متطلبات العراق الحديث. فالتنمية المستدامة تفترض تنويعاً اقتصادياً حقيقياً يقوم على دعم قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والطاقة المتجددة، بما يخلق فرص عمل واسعة ويقلل من مخاطر تقلبات الأسواق النفطية. إن إعادة إحياء الصناعات الوطنية، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتحديث القطاع الزراعي ليكون قادراً على مواجهة التحديات المائية، تمثل خطوات جوهرية في بناء اقتصاد مستدام قادر على الصمود أمام الطوارئ العالمية.
المجتمع العراقي… ثروة بشرية تحتاج إلى تمكين
يتميز العراق بتركيبته الاجتماعية المتنوعة والغنية وبنسب سكانية شابة مرتفعة، فالشباب يشكلون أكثر من نصف المجتمع. وهذه النسبة تمثل فرصة ذهبية إذا ما جرى توظيفها، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى عبء إذا بقيت معدلات البطالة مرتفعة والمهاجرون إلى الخارج في ازدياد. فالتنمية المستدامة هنا لا تعني فقط إيجاد فرص عمل، بل تعني بناء مجتمع قادر على المشاركة في صنع القرار وعلى الإبداع والابتكار.
لذا، يتطلب ذلك إصلاحاً جذرياً في قطاع التعليم الذي يشكل حجر الزاوية في أي عملية تنموية. فالتعليم في العراق يحتاج إلى تحديث شامل في المناهج والبنى التحتية وطرق التدريس، إضافة إلى ربطه بسوق العمل، بحيث يتخرج الطالب وهو يمتلك مهارات حقيقية في التكنولوجيا والاقتصاد والإدارة والبحث العلمي. كما أن تطوير الجامعات ومراكز الدراسات والبحوث وإتاحة الفرصة للشباب للعمل في مشاريع وطنية كبرى سيجعل المجتمع العراقي أكثر قدرة على إنتاج المعرفة وعلى المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.ولا يمكن الحديث عن مجتمع مستدام من دون تعزيز دور دور الشباب من كلا الجنسين الذين يمتلكون تاريخاً طويلاً في المشاركة الثقافية والعلمية والاجتماعية. إنّ تمكينهم هو ليس قضية اجتماعية فحسب، بل هو محور تنموي أساسي، لأن المجتمع الذي يعيش على نصف طاقته البشرية لا يمكنه أن يحقق التنمية الحقيقية.البيئة العراقية… جرس إنذار مبكر يمتلك العراق واحدة من أقدم الحضارات التي نشأت على ضفاف نهري دجلة والفرات، غير أن هذه البيئة الطبيعية تواجه اليوم تحديات خطيرة تهدد الأمن الغذائي والصحي والاقتصادي.
فشح المياه الناتج عن التغير المناخي وسياسات دول المنبع، والتصحر الذي يتسع عاماً بعد عام، وتراجع الغطاء النباتي، وتلوث الأنهار والهواء، كلها عوامل تنذر بواقع بيئي قد يضع العراق أمام أزمات اجتماعية وأمنية إذا لم تُتخذ خطوات عاجلة. إن التنمية المستدامة في العراق لا يمكن أن تنجح من دون استراتيجية بيئية تعتمد على مشاريع الري الحديثة، وإعادة تأهيل الأهوار والمسطحات المائية، وحماية التنوع البيولوجي، وزراعة أحزمة خضراء حول المدن، وتشجيع استخدام الطاقة الشمسية والبديلة في المنازل والمصانع، والحد من التلوث الصناعي. وهذه الخطوات ليست مجرد توجهات بيئية، بل هي عوامل أساسية لضمان استقرار المجتمع والاقتصاد في المستقبل.
الحوكمة والإدارة الرشيدة… أساس التنمية
التنمية ليست مشاريع فقط، بل هي قبل ذلك مؤسسات قوية قادرة على إدارة الموارد بكفاءة. وفي العراق، لا يمكن لأي برنامج مستدام أن ينجح من دون إصلاح حقيقي في بنية الدولة الإدارية، ومكافحة الفساد، واعتماد الحكومة الإلكترونية، وتبسيط الإجراءات، وتشجيع الشفافية في القطاعين العام والخاص.
الحوكمة الرشيدة تضمن توزيعاً عادلاً للثروات، وتوفر بيئة استثمارية مستقرة، وتفتح الباب أمام الشركات العالمية للدخول في مشاريع الطاقة والنقل والزراعة والصحة. ومن دون هذا الإصلاح الإداري، ستبقى التنمية مجرد رؤى غير قابلة للتطبيق.
الثقافة الوطنية… روح التنمية المستدامة
ما يميز العراق عبر التاريخ ليس ثرواته الطبيعية فقط، بل ثقلُه الثقافي والحضاري الذي يمتد آلاف السنين. فالتنمية المستدامة لا تُبنى على الاقتصاد والبيئة وحدهما، بل تحتاج أيضاً إلى ثقافة قادرة على تعزيز قيم المواطنة والانتماء والتسامح وحب العمل واحترام القانون. إن الثقافة العراقية التي أنتجت الشعر والفن والموسيقى والعمارة يمكن أن تكون قوة ناعمة تدعم مشروع التنمية، وتعيد بناء ثقة المواطن بوطنه.
كما أن صون التراث التاريخي والآثار والمتاحف وإحياء المدن القديمة مثل بغداد والموصل والبصرة وحتى بقية المحافظات الأخرى، يمثل جزءاً من التنمية المستدامة لأنها توفر فرص عمل وتدعم السياحة الثقافية، وتعيد للمجتمع شعوره بالهوية.
التنمية المستدامة… مشروع دولة وشعب
التنمية المستدامة في العراق ليست مشروع حكومة فحسب، بل هي مشروع مجتمع كامل. فهي تبدأ من وعي المواطن الذي يحافظ على البيئة، ويشارك في الانتخابات، ويدعم الإنتاج الوطني، وتستمر عبر جهود الدولة في التخطيط، وتنتهي في مراكز البحوث والجامعات حيث تتولد الأفكار وتُصنع الحلول.
إن مستقبل العراق سيكون مزدهراً حين تصبح التنمية رؤية وطنية متفقاً عليها، تجمع بين الدولة والشعب في طريق واحد.
المستقبل لا يُبنى بالنوايا وحدها، بل بالتخطيط والعمل والجرأة في اتخاذ القرارات. والعراق يمتلك الإمكانات البشرية والطبيعية والثقافية التي تجعله قادراً على أن يتحول إلى نموذج للتنمية في المنطقة، إذا تم الاستثمار فيها بطريقة صحيحة.
التنمية المستدامة ليست شعاراً، بل هي الطريق الحقيقي لإنقاذ العراق من أزماته المتراكمة ولإعداد أجيال تستطيع العيش في وطن آمن ومستقر. إنها مشروع طويل الأمد يحتاج إلى رؤية واضحة وقرارات جريئة واستثمار في الإنسان قبل كل شيء.
وما بين التاريخ الذي يحتضن حضارات العالم الأولى والمستقبل الذي يفتح أبوابه للتغيير، يقف العراق اليوم أمام خيار واحد: أن يسلك طريق التنمية المستدامة، الطريق الوحيد الذي يقود نحو مجتمع مزدهر يكتب فصلاً جديداً في كتاب الحضارة الإنسانية.