هيبة اللقب أم شغف الطالب؟
سيف حسون
في أروقة الجامعة ومكاتب أعضاء الهيئة التدريسية، يتكرر المشهد ذاته مع بداية كل عام أكاديمي: يستأذن أبٌ يدخل بثقةٍ مفرطة، يصحبه ابنٌ أو ابنةٌ تسير بخطواتٍ متثاقلة ورأسٍ مطأطأ، تُمسك بملف القبول كأنه وثيقةُ قَدَرٍ أُجبرت عليه.
يجلس الأب، وبعد ثناءٍ تقليدي، يطرح سؤاله المعتاد: «دكتور، كيف نصائحك لولدي في هذا القسم؟»وعندما تحاول كاستاذ جامعي أن تستكشف خلفية هذا الاختيار، وتسأل الأب بفضول الأكاديمي الذي يعرف صعوبة هذه التخصصات: «لماذا اخترتم الطب أو الهندسة بالذات؟ هل هذه رغبته؟» تأتي الإجابة سريعة، محسومة، ومغلفة بابتسامة المباهاة: «دكتور... غير كشخة؟ غير هيبة قدام العالم والأقارب؟»في تلك اللحظة، يتوارى الطالب تماماً من المعادلة. تتلاشى رغباته، ويُسكت شغفه الحقيقي في البرمجة، أو الفنون، أو العلوم الأساسية، أو الإدارة، ليحل محله حلمُ الأب في انتزاع لقب «والد الدكتور» أو «والد المهندس» في المجلس والديوانية. داخل قاعة المحاضرات: حين تدفع «الكشخة» ثمنها العلمي أنت كأستاذ جامعي لا ترى المشهد عند نقطة السؤال فقط، بل تعيش فصوله الطويلة داخل المدرجات على مدار سنوات:
طالبٌ جسدٌ بلا روح: يجلس في المقاعد الخلفية، ينظر إلى السبورة أو الشاشة بنظرات غائبة. لا يحركه الفضول العلمي، ولا يستفزه التحدي الأكاديمي، لأن المكان ليس مكانه، والدروس ليست شغفه.
المعاناة مع المعدلات والأداء: تجده يصارع لتفادي الرسوب فقط، يتحول طموحه من الإبداع والتميز إلى مجرد «العبور»، فيخرج إلى المجتمع خريجاً باهتاً يحمل المسمى ويفتقد المهارة. ضياع الطاقات المبدعة: تُقتَل في داخله إمكانات هائلة كان يمكن أن ترفد المجتمع بمبدعٍ فذ في مجال آخر، لو أُتيحت له فرصة الاختيار الحر.
الهيبة الحقيقية في التميز لا في العنوانإن الأهل الذين يضحون برغبات أبنائهم من أجل «الكشخة الاجتماعية» يجهلون أن التخصصات الطبية والهندسية ليست مجرد ألقاب يُباهى بها في المناسبات، بل هي مسؤوليات وأمانات شاقة تتطلب شغفاً ذاتياً يحمل صاحبها على السهر والصبر والابتكار.
إن «الهيبة» الحقيقية لا تمنحها اليافطة المعلقة على الباب، بل يصنعها الإنسان حين يبرع في المجال الذي يحبه؛ فالمبرمج المبدع، والمعلم الملهم، والمصمم الذكي، والباحث الشغوف، يمتلكون من الأثر والهيبة المادية والمعنوية ما يتجاوز بكثير لقباً أُكره صاحبه عليه.
إن صرخة الوعي التي يطلقها الأستاذ الجامعي اليوم هي دعوة للآباء كي يرفعوا أيديهم عن خيارات أبنائهم المصيرية: اتركوا أبناءكم يبنون هيبتهم الخاصة من شغفهم، فالألقاب المستعارة لا تصنع علماء، والشغف الصادق هو الوحيد الذي يبني الإنسان والمجتمع.