الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
چذّاب  تعبني الوكت

← بواسطة azzaman

چذّاب  تعبني الوكت

أحمد جاسم الزبيدي

 

ما إن أستعيد هذه الأغنية العراقية الجميلة (چذّاب  تعبني الوكت، وتريد أردّ النوب إلك چذّاب )حتى أجدني أرددها مع نفسي، مستذكراً زميلاً عزيزاً من أيام الدراسة، كنا نتجول معاً في ليالي الصيف اللاهبة، فترافقنا الأغاني والذكريات وأحلام الشباب. أطال الله في عمره إن كان ما يزال بيننا، ورحمه الله إن كان قد رحل مبكراً. لكن الزمن، كما يبدو، لم يكتفِ بتعبنا، بل صار يطالبنا بأن نصدّق كل ما نسمعه، حتى لو كان العقل نفسه يرفع يديه استسلاماً!

وكلما تابعت الخطابات السياسية والنشرات الإخبارية، وصولاً إلى مشاهد القسم الوزاري الأخير، وجدتني أعود إلى تلك الأغنية، وأردد: «جذّاب تعبني الوكت». فكل مسؤول يخرج علينا بوعود تشبه الوعود التي سبقته، وكل خطاب يحمل إلينا بشائر الفرج، حتى إن أحدهم يكاد يقول لك: جاء الفرج أخيراً! فتستبشر خيراً، ثم تكتشف أنك كنت تنتظر فرجاً من النوع الذي يحتاج إلى فرج آخر كي يصل!

وهنا تأخذني الذاكرة إلى أيام محكمة المحاويل، حين كنت أرى بعض شهود الزور يؤدون شهاداتهم بعد أن يقبضوا المقابل، ثم يقفون أمام الحاكم ويحلفون بأغلظ الأيمان، فتُغلق القضايا، ويعود كل واحد منهم إلى حياته، فيما تبقى الحقيقة في قفص الاتهام!

كانت الوجوه تتغير أحياناً، لكن المشهد يبقى كما هو، وكأن الحلفان أصبح مهنة، واليمين القانونية مجرد إجراء روتيني لا يكلّف صاحبه أكثر من تحريك اللسان ورفع اليد. وعندها أعود إلى الأغنية نفسها، وأتساءل: من نصدّق، ومن نكذّب، إذا كان الحلفان لا يمنع الكذب، والقسم لا يضمن الوفاء؟

ولكي لا يقال إنني أثقلت عليكم بالسياسة والقسم والوعود، دعوني أروي لكم طرفة من أيام النظام المقبور، أيام كان صدام حسين يخشى أن يضيع منه شيء، لكنه لم يكن يخشى أن تضيع دولة بأكملها!

يُحكى أن صدام ادّعى ذات يوم فقدان مسدسه، فأوعز إلى القيادة بالتحقيق في الأمر، وتولى عزت الدوري متابعة القضية. طال الانتظار، ولم يظهر للمسدس أثر، حتى ضاق صدام ذرعاً بالموضوع، فاستقل طائرة الهليكوبتر متوجهاً إلى الحدود الإيرانية، حيث وجد عزت الدوري وبعض أعضاء القيادة.

اقترب منه وسأله بلهجته المعهودة:

ـ ها ولك عزوز، شتسوي هنا؟

فأجابه عزت الدوري:

ـ سيدي، الكل أنكروا، وما بقى غير نوديهم للأمام الرضا ونحلفهم!

وهنا تنتهي الطرفة، لكن الحكاية لا تنتهي؛ لأننا، كلما رأينا مشهداً سياسياً جديداً، اكتشفنا أن الواقع أحياناً أشد غرابة من النكتة، وأن بعض الحكايات القديمة لا تزال صالحة لكل زمان، حتى لو تغيرت الوجوه وتبدلت المناصب.

والآن، نصل إلى الزبدة!

بعد أن أدّى الوزراء الجدد القسم، وسمعنا كلمات الالتزام والوفاء وخدمة الوطن، بقي السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا سيفعل رئيس وزرائنا إذا اكتشف أن بعضهم لم يفِ بعهده، أو أن الوعود التي قطعها لم تكن سوى كلمات قيلت أمام الكاميرات؟

بماذا سيُحلفهم هذه المرة؟ وهل سيعيدهم إلى قاعة القسم ليؤدوا اليمين من جديد؟

خصوصاً أن مشاهد أداء القسم نفسها كانت مثيرة للتأمل؛ فهذا يتمتم بكلمات لم نكد نسمعها، وذاك يضع إصبعه بطريقة لا ندري ما إذا كانت جزءاً من القسم أم اجتهاداً شخصياً، وآخر يضع كفه على الورقة، وكأننا أمام طقوس تختلف من وزير إلى آخر، بينما يفترض أن يكون العهد واحداً، والالتزام واحداً، والغاية واحدة: خدمة العراق والعراقيين.

لكن المشكلة ليست في طريقة وضع اليد، ولا في ارتفاع الصوت أو انخفاضه، ولا في عدد الكلمات التي ينطق بها المسؤول أمام الكاميرات. المشكلة الحقيقية تبدأ في اليوم التالي، حين يتحول القسم من عهد أمام الوطن إلى مشهد تلفزيوني ينتهي بانتهاء المراسم، وتبدأ بعده حكاية الوعود المؤجلة والآمال التي تنتظر دورها في طابور طويل.

فالمواطن العراقي لم يعد بحاجة إلى مَن يقسم له، بل إلى مَن يثبت له أن القسم ليس مجرد كلمات، وأن المنصب ليس غنيمة، وأن خدمة الشعب ليست شعاراً يُرفع عند تسلّم المسؤولية ثم يُنسى عند أول اختبار.

لقد تعب المواطن من سماع الكلام الجميل، ومن الوعود التي تتكرر كأنها أغنية قديمة لا تنتهي، ومن المسؤول الذي يطلب الثقة قبل أن يقدم الدليل على استحقاقها.

ولهذا أجدني أعود، مرة أخرى، إلى أغنية زميلنا العزيز:چذّاب تعبني الوكت… وتريد أردّ النوب إلك چذّاب .

نعم، حِرت ما بين ذيج وهاي، وما عدنا نعرف مَن نصدّق ومَن نكذّب، ولا هل ننتظر الفرج أم ننتظر مَن يبشّرنا بفرج جديد!

والله يكون بعونك يا عراق… وبعون المواطن الذي صار يسمع القسم بأذن، ويبحث عن الحقيقة بالأذن الثانية!


مشاهدات 46
الكاتب أحمد جاسم الزبيدي
أضيف 2026/10/25 - 2:38 PM
آخر تحديث 2026/10/26 - 7:57 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 909 الشهر 51878 الكلي 16637047
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير