الكلمة لها صاحب
سمير السعد
الكلمة أمانة و الفكرة ثمرة تعب ، و المعلومة لها صاحب .. حتى لو أصبحت منشورة و متاحة للجميع . فالصحافة مهنة تبحث عن الحقيقة، لكن الحقيقة تحتاج إلى ضمير يحميها ، و مصدر يُحفظ له حقه ، و الصحفي يعرف أن ما يصل إلى يده ، قد يكون وراءه جهد طويل بذله آخرون بعيداً عن الأضواء .
أقسى ما يمكن أن يواجهه صاحب فكرة أو كاتب صحفي أن يرى جهده أمام الناس يحمل أسماً آخر ، أو يُقدَّم و كأنه جهد من نقله .. ساعات من البحث و القراءة و الكتابة و التدقيق ، و العمل داخل مؤسسة إعلامية ، قد تختصرها لحظة نقل سريعة ، ثم تظهر على شاشة أخرى و كأنها إنتاج شخصي..هنا لا تضيع مادة صحفية فحسب ، بل يضيع معها حق إنسان و مؤسسة ، و تُمس قيمة مهنية يفترض أن تبقى فوق الحسابات .
و من هنا بدأت الحكاية…أرسل لي صديق مقطع فيديو لزميل إعلامي يتحدث عن الديمقراطية ، ضمن زاوية في برنامجه أسمها “فاستوقفتني “. إستوقفتني الفكرة لا بسبب عنوانها ، و إنما لأن جزءاً كبيراً من مضمونها كان مأخوذاً ، نصاً و طبق الأصل من عمود صحفي منشور في صحيفة عراقية معروفة ، من دون الإشارة إلى أسم الكاتب أو المؤسسة التي نشرت المادة!
كنت أشاهد المقطع و صديقي إلى جانبي ، فدار بيننا حديث قصير ، قال خلاله بعفوية: “جا هي كل سوالفهم يأخذوها من الأعمدة الصحفية و الوكالات..؟ يله هي ضلت على هاي ما تنباك! .ضحكت من العبارة .. لكن السؤال الذي وراءها لم يكن مضحكاً : هل أصبح جهد الصحفي مباحاً لمجرد أنه منشور و متداول..؟
هناك فرق كبير بين أن تستلهم فكرة منشورة و تقدم معالجة خاصة بك ، و بين أن تأخذ النص نفسه أو أجزاء جوهرية منه و تعرضه على الناس من دون ذكر صاحبه.
في الحالة الثانية : نحن لا نتحدث عن مجرد نقل معلومة .. و إنما عن سرقة جهد صحفي و فكري ، لأن النص له كاتب ، و المادة لها مصدر ، و العمل الذي إستغرق ساعات أو أياماً لا يتحول إلى ملك مشاع لمجرد أنه نُشر . و المشكلة لا تتوقف عند الصحافة.. فالديمقراطية لا تعني أن تتحول المنابر إلى ساحات للشتيمة و التنمر و التشهير ، و حرية التعبير لا تمنح أحداً حق إتهام الناس بلا دليل.! و بالمثل فإن حرية النشر لا تعني أن نأخذ أفكار الآخرين و نصوصهم ، ثم نعيد تقديمها و كأنها جهدنا..
و المفارقة أن بعض من يرفعون راية النزاهة و محاربة الفساد قد يتعاملون مع جهد زملائهم و كأنه حق مباح ..!
مؤسسة إعلامية تبحث و تكتب و تدقق و تنشر ، و صحفي يبذل وقته وجهده ، ثم تأتي مادة جاهزة لتظهر في برنامج آخر من دون الإشارة إلى مصدرها... تلك سرقة للجهد قبل أن تكون مجرد نقل للمادة..ولا يحتاج الأمر إلى كثير من الكلام ، يكفي أن نقول : ” كما كتب فلان في عموده المنشور في صحيفة كذا ” ، أو ” بحسب مادة نشرتها المؤسسة الفلانية ” ، جملة صغيرة..لكنها تحفظ حق صاحبها ، و تمنح العمل مصداقيته.
“الغرف المظلمة تصنع ديمقراطية فاسدة ” . عبارة تستحق التأمل حين تصبح الديمقراطية غطاءً للتجاوز ، و حين نتحدث عن النزاهة و ننسى أن النزاهة تبدأ من إحترام جهد الآخرين.. حرية التعبير حق و النقد حق ، لكن لا أحد يملك حق سرقة جهد الآخرين..!!
نقل النصوص الصحفية أو أجزاء منها دون الإشارة إلى أصحابها و مصادرها ليس إقتباساً ، بل سرقة للجهد والحق المهني .فالكلمة لها صاحب و النص له كاتب ، و النزاهة تبدأ من ذكر الاسم .
□ رئيس فرع نقابة الصحفيين بميسان