الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الانتماء‭ ‬اللفظي

← بواسطة azzaman

الانتماء‭ ‬اللفظي

محمد زكي ابراهيم

 

كالعادة،‭ ‬فإن‭ ‬المخيال‭ ‬الشعبي‭ ‬يبتكر‭ ‬دائماً‭ ‬مفاهيم‭ ‬وأسماء‭ ‬ومصطلحات‭ ‬جديدة،‭ ‬لظواهر‭ ‬طارئة‭ ‬أو‭ ‬غريبة‭ ‬أو‭ ‬متبناة،‭ ‬بطريقة‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬الغمز،‭ ‬واللمز‭ ‬والسخرية،‭ ‬ويطور‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬حصيلته‭ ‬اللغوية‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬السنين‭. ‬فاللغة‭ ‬كائن‭ ‬حي‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬محطة‭ ‬ما،‭ ‬ولا‭ ‬يذعن‭ ‬لظرف‭ ‬زمني‭ ‬بعينه‭. ‬بل‭ ‬يتغير‭ ‬باستمرار‭.‬

وفي‭ ‬الغالب‭ ‬تجد‭ ‬هذه‭ ‬الاكتشافات‭ ‬اللغوية‭ ‬انتشاراً‭ ‬واسعاً،‭ ‬لأنها‭ ‬عدا‭ ‬عن‭ (‬الجرس‭) ‬الذي‭ ‬تتسم‭ ‬به،‭ ‬وكونها‭ ‬سريعة‭ ‬الحفظ‭ ‬والتداول،‭ ‬فإنها‭ ‬تعبر‭ ‬بعمق‭ ‬عن‭ ‬ظاهرة‭ ‬من‭ ‬الظواهر‭ ‬الوافدة‭ ‬غير‭ ‬المسبوقة،‭ ‬وتؤرخ‭ ‬لوجودها‭ ‬على‭ ‬الساحة‭.‬

‭  ‬إن‭ ‬لفظة‭ ‬مثل‭ (‬الوطنجية‭) ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الفصيح‭ ‬والعامي،‭ ‬والأصيل‭ ‬والدخيل،‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الفيض‭ ‬الذي‭ ‬تدفق‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وغمر‭ ‬الساحة‭ ‬ومن‭ ‬فيها،‭ ‬فهي‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬الممتنع‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الشيء‭ ‬وضده،‭ ‬والمعنى‭ ‬ونقيضه،‭ ‬وهي‭ ‬إضافة‭ ‬جديدة‭ ‬للغة‭ ‬الشارع‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬على‭ ‬الألسن‭ ‬دون‭ ‬قيود‭.‬

فالوطنجي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬انتماءً‭ ‬حقيقياً،‭ ‬بل‭ ‬يتظاهر‭ ‬به‭ ‬شكلياً،‭ ‬أو‭ ‬يفهمه‭ ‬بطريقة‭ ‬مغلوطة،‭ ‬ويدافع‭ ‬عنه‭ ‬بطريقة‭ ‬تسيء‭ ‬إليه،‭ ‬وتجلب‭ ‬الشكوك‭ ‬نحوه،‭ ‬ولا‭ ‬يجني‭ ‬الوطن‭ ‬منه‭ ‬سوى‭ ‬الألم‭ ‬والحسرة‭! .‬

‭  ‬وقد‭ ‬نشأت‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬غير‭ ‬طبيعية،‭ ‬فهي‭ ‬إذن‭ ‬تحمل‭ ‬السمة‭ ‬ذاتها،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬النسبة‭ ‬إلى‭ ‬المهنة‭ ‬في‭ ‬الموروث‭ ‬التركي‭ ‬الدائر‭ ‬على‭ ‬الألسن‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬العثماني‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬العرب،‭ ‬تتم‭ ‬بإلحاق‭ (‬جي‭) ‬إليه‭ ‬مثل‭ (‬الشكرجي‭) ‬و‭(‬الباججي‭) ‬والعبايجي‭) ‬و‭(‬القندرجي‭)‬،‭ ‬و‭(‬النسونجي‭)! ‬فإن‭ ‬إضافتها‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬تعني‭ ‬تحول‭ ‬الأخير‭ ‬إلى‭ ‬مهنة‭ ‬للمتاجرة،‭ ‬أو‭ ‬الارتزاق،‭ ‬أو‭ ‬جني‭ ‬المال،‭ ‬بأي‭ ‬طريقة‭ ‬اتبعت،‭ ‬وبأي‭ ‬ثمن‭ ‬كان‭.‬

إن‭ ‬محبة‭ ‬الوطن‭ ‬والحرص‭ ‬على‭ ‬سلامته‭ ‬وديمومة‭ ‬وجوده،‭ ‬تعني‭ ‬الاهتمام‭ ‬بأبنائه‭ ‬وساكنيه‭ ‬وتطوير‭ ‬ملكاتهم‭ ‬العلمية‭ ‬والقيمية،‭ ‬فالأرض‭ ‬بدون‭ ‬شعب‭ ‬نابه،‭ ‬متعلم،‭ ‬نشيط،‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تحتفظ‭ ‬بخصوصيتها‭ ‬طويلاً،‭ ‬وقد‭ ‬ارتفع‭ ‬رصيد‭ ‬مدن‭ ‬مثل‭ ‬بابل،‭ ‬وسومر،‭ ‬وبغداد،‭ ‬مثلاً‭ ‬لأن‭ ‬أهلها‭ ‬في‭ ‬أزمنة‭ ‬ما،‭ ‬كانوا‭ ‬غرة‭ ‬في‭ ‬جبين‭ ‬الدهر،‭ ‬فصنعوا‭ ‬الحضارة،‭ ‬وبنوا‭ ‬المدن،‭ ‬وشرعوا‭ ‬القوانين،‭ ‬ومثل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬بالطبع‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬البلدان‭ ‬الأخرى‭ ‬العربية‭ ‬وغير‭ ‬العربية،‭ ‬كمصر‭ ‬والشام،‭ ‬والصين‭ ‬والهند‭.. ‬ألخ،‭ ‬لكن‭ ‬الخمول‭ ‬الذي‭ ‬أصابها‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد،‭ ‬أعادها‭ ‬إلى‭ ‬خانة‭ ‬النسيان،‭ ‬وجعلها‭ ‬تخضع‭ ‬لسلطان‭ ‬الغير،‭ ‬وهيمنته‭.‬

‭ ‬أن‭ ‬أرضاً‭ ‬ليس‭ ‬فيها‭ ‬علم‭ ‬أو‭ ‬نشاط‭ ‬أو‭ ‬حراك‭ ‬صناعي‭ ‬أو‭ ‬زراعي‭ ‬أو‭ ‬خدمي،‭ ‬هي‭ ‬أرض‭ ‬يباب‭ ‬لا‭ ‬نفع‭ ‬فيها‭ ‬ولا‭ ‬حياة‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭.‬

وثمة‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬مستاء‭ ‬وفوضوي‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬يعيد‭ ‬التذكير‭ ‬بظاهرة‭ (‬الهيبيز‭) ‬التي‭ ‬تفجرت‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬ستينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬أوربا،‭ ‬وأخذ‭ ‬الناس‭ ‬يتذكرون‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬لوثوا‭ ‬وجه‭ ‬الشارع‭ ‬الأوربي،‭ ‬حينما‭ ‬نشروا‭ ‬القذارة‭ ‬والعطالة‭ ‬والمظهر‭ ‬الرث‭ ‬والشعر‭ ‬الأشعث‭ ‬الطويل،‭ ‬ومارسوا‭ ‬أسوأ‭ ‬أنواع‭ ‬العادات‭ ‬وأكثرها‭ ‬قبحاً،‭ ‬حتى‭ ‬أطلق‭ ‬الناس‭ ‬عليهم‭ ‬اسم‭ (‬الخنافس‭) ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬الأماكن‭ ‬نتانة‭ ‬وبؤساً‭. ‬،‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬عدهم‭ ‬البعض‭ ‬من‭ (‬المتفيقهين‭) ‬رسل‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭!.‬

‭ ‬إن‭ (‬الوطنجي‭) ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يسعى‭ ‬لبناء‭ ‬بلد‭ ‬جميل‭ ‬معافى،‭ ‬فلا‭ ‬يثير‭ ‬المشاكل،‭ ‬بل‭ ‬يتجنبها،‭ ‬ولا‭ ‬ينشر‭ ‬القيم‭ ‬الرديئة‭ ‬بل‭ ‬يعرض‭ ‬عنها،‭ ‬ولا‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬خراب‭ ‬البلد،‭ ‬بل‭ ‬يتوق‭ ‬إلى‭ ‬رفاهيته،‭ ‬وهو‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬المفاهيم‭ ‬الجميلة،‭ ‬ويحرص‭ ‬على‭ ‬نظافة‭ ‬المدن‭ ‬والشوارع،‭ ‬ولا‭ ‬يشجع‭ ‬على‭ ‬الانفلات‭ ‬والعبث‭ ‬والخراب،‭ ‬وعند‭ ‬ذاك‭ ‬فقط‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ (‬وطني‭) ‬مجرد‭ ‬من‭ ‬الأغراض‭ ‬والنوايا‭ ‬السيئة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تخلف‭ ‬وراءها‭ ‬سوى‭ ‬الأذى‭ ‬والتخلف‭ ‬والهوان‭.‬


مشاهدات 17
الكاتب محمد زكي ابراهيم
أضيف 2026/10/07 - 1:48 PM
آخر تحديث 2026/10/08 - 2:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 211 الشهر 12567 الكلي 16597736
الوقت الآن
الخميس 2026/10/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير