كالعادة، فإن المخيال الشعبي يبتكر دائماً مفاهيم وأسماء ومصطلحات جديدة، لظواهر طارئة أو غريبة أو متبناة، بطريقة لا تخلو من الغمز، واللمز والسخرية، ويطور بهذه الطريقة حصيلته اللغوية على مر السنين. فاللغة كائن حي لا يقف عند محطة ما، ولا يذعن لظرف زمني بعينه. بل يتغير باستمرار.
وفي الغالب تجد هذه الاكتشافات اللغوية انتشاراً واسعاً، لأنها عدا عن (الجرس) الذي تتسم به، وكونها سريعة الحفظ والتداول، فإنها تعبر بعمق عن ظاهرة من الظواهر الوافدة غير المسبوقة، وتؤرخ لوجودها على الساحة.
إن لفظة مثل (الوطنجية) تجمع بين الفصيح والعامي، والأصيل والدخيل، هي من هذا الفيض الذي تدفق في السنوات الأخيرة، وغمر الساحة ومن فيها، فهي من السهل الممتنع الذي يجمع بين الشيء وضده، والمعنى ونقيضه، وهي إضافة جديدة للغة الشارع التي تجري على الألسن دون قيود.
فالوطنجي هو الذي لا ينتمي إلى الوطن انتماءً حقيقياً، بل يتظاهر به شكلياً، أو يفهمه بطريقة مغلوطة، ويدافع عنه بطريقة تسيء إليه، وتجلب الشكوك نحوه، ولا يجني الوطن منه سوى الألم والحسرة! .
وقد نشأت هذه الظاهرة في ظروف غير طبيعية، فهي إذن تحمل السمة ذاتها، وإذا كانت النسبة إلى المهنة في الموروث التركي الدائر على الألسن في العراق العثماني وغيره من بلاد العرب، تتم بإلحاق (جي) إليه مثل (الشكرجي) و(الباججي) والعبايجي) و(القندرجي)، و(النسونجي)! فإن إضافتها إلى الوطن تعني تحول الأخير إلى مهنة للمتاجرة، أو الارتزاق، أو جني المال، بأي طريقة اتبعت، وبأي ثمن كان.
إن محبة الوطن والحرص على سلامته وديمومة وجوده، تعني الاهتمام بأبنائه وساكنيه وتطوير ملكاتهم العلمية والقيمية، فالأرض بدون شعب نابه، متعلم، نشيط، لا تستطيع أن تحتفظ بخصوصيتها طويلاً، وقد ارتفع رصيد مدن مثل بابل، وسومر، وبغداد، مثلاً لأن أهلها في أزمنة ما، كانوا غرة في جبين الدهر، فصنعوا الحضارة، وبنوا المدن، وشرعوا القوانين، ومثل هذا الأمر بالطبع ينطبق على البلدان الأخرى العربية وغير العربية، كمصر والشام، والصين والهند.. ألخ، لكن الخمول الذي أصابها في ما بعد، أعادها إلى خانة النسيان، وجعلها تخضع لسلطان الغير، وهيمنته.
أن أرضاً ليس فيها علم أو نشاط أو حراك صناعي أو زراعي أو خدمي، هي أرض يباب لا نفع فيها ولا حياة على الإطلاق.
وثمة جيل جديد مستاء وفوضوي في العراق، يعيد التذكير بظاهرة (الهيبيز) التي تفجرت في أواخر ستينات القرن الماضي في أوربا، وأخذ الناس يتذكرون هؤلاء الذين لوثوا وجه الشارع الأوربي، حينما نشروا القذارة والعطالة والمظهر الرث والشعر الأشعث الطويل، ومارسوا أسوأ أنواع العادات وأكثرها قبحاً، حتى أطلق الناس عليهم اسم (الخنافس) التي تعيش في أكثر الأماكن نتانة وبؤساً. ، في ما عدهم البعض من (المتفيقهين) رسل ما بعد الحداثة!.
إن (الوطنجي) الحقيقي هو الذي يسعى لبناء بلد جميل معافى، فلا يثير المشاكل، بل يتجنبها، ولا ينشر القيم الرديئة بل يعرض عنها، ولا يسعى إلى خراب البلد، بل يتوق إلى رفاهيته، وهو يعمل على نشر المفاهيم الجميلة، ويحرص على نظافة المدن والشوارع، ولا يشجع على الانفلات والعبث والخراب، وعند ذاك فقط يتحول إلى (وطني) مجرد من الأغراض والنوايا السيئة التي لا تخلف وراءها سوى الأذى والتخلف والهوان.