الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مسيرة المرجعية.. من حماية المجتمع إلى ترسيخ الدولة

← بواسطة azzaman

مسيرة المرجعية.. من حماية المجتمع إلى ترسيخ الدولة

وفاء الفتلاوي

 

لم تكن المرجعية الدينية في العراق يوما بعيدة عن هموم المجتمع أو بمعزل عن التحولات التي مر بها البلد فمنذ عقود طويلة ارتبط حضورها بقضايا الناس ومصالحهم وتنوعت أدوارها تبعا للظروف التي عاشها العراق من حماية المجتمع وصيانة وحدته إلى مواجهة الأزمات والدفاع عن حقوق المواطنين وترسيخ مفهوم الدولة.

وفي هذا السياق يمكن استحضار بعض مواقف المرجع الديني الكبير اية الله العظمى السيد محسن الحكيم (قدس سره) من قضايا الأمة ومنها موقفه من قضية سيد قطب في مصر وموقفه من قتال الأكراد في العراق بوصفها نماذج لحضور المرجعية في القضايا التي تتصل بحماية الإنسان والمجتمع وحقن الدماء.

وتقدم شهادة السيد محمد سعيد الحكيم (قدس سره) عن دور المرجعية امتدادا لهذه الصورة حين استحضر نماذج تاريخية لعلماء كان حضورهم مرتبطا بمصالح الناس وحمايتهم مشيرا إلى مواقف آية الله العظمى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في تخفيف التوتر وحماية النجف ومواقف للشيخ موسى في قضية التجنيد فضلا عن أدوار علماء النجف في مواجهة الأوبئة والغلاء وغيرها من الأزمات التي مست حياة الناس بصورة مباشرة.

هذه الأمثلة تكشف أن المرجعية لم تكن محصورة في إطار الوعظ والإرشاد بل كانت تتفاعل مع الواقع عندما تستدعي الحاجة وتتحرك ضمن مساحة المسؤولية الاجتماعية والوطنية من دون أن تتحول إلى بديل عن مؤسسات الدولة أو عن المجتمع السياسي.

ومع تغير طبيعة الدولة والمجتمع تغيرت أيضا أدوات التعامل مع القضايا العامة فبعد أن كان حضور المرجعية في مراحل معينة مرتبطا بحماية المجتمع من الأخطار المباشرة أصبح من الضروري أن تتجه الأولويات نحو ترسيخ الدولة ومؤسساتها وحماية القانون وتعزيز الاستقرار ومعالجة الخلافات بالحوار.

ومن هنا يمكن قراءة جزء من الحراك السياسي والاجتماعي للسيد عمار الحكيم الذي يتحرك في المجال العام من خلال العمل السياسي والحوار وطرح المبادرات مستندا إلى خطاب يركز على وحدة المجتمع وحماية الدولة وتغليب المصلحة العامة.ولا يعني ذلك وضع الحراك السياسي في موقع المرجعية أو الحديث عن تمثيل سياسي لها فلكل منهما مساره وأدواته ومسؤوليته؛ لكن التقاطع يمكن أن يظهر في بعض القضايا التي تتصل بالمصلحة الوطنية وفي مقدمتها حماية السلم الأهلي وتخفيف الاحتقان وتشجيع الحوار ودعم مؤسسات الدولة.

فالمرجعية حين تتحدث عن مسؤولية العلماء تجاه المجتمع فإنها تضع معيارا يتجاوز الأشخاص والمراحل وهو أن يكون حضورها مرتبطا بمصلحة الناس وحماية المجتمع وصيانة قيمه أما القوى السياسية والشخصيات العامة فمسؤوليتها أن تترجم هذه القيم في المجال الذي تعمل فيه عبر الممارسة السياسية والحوار وبناء المؤسسات.

وهنا تبدو أهمية الفصل بين المرجعية بوصفها مرجعية دينية وبين الحركة السياسية بوصفها فعلا بشريا قابلا للنقاش والتقييم فالمرجعية لا تحتاج إلى أن تدخل في تفاصيل العمل السياسي اليومي حتى يكون لها أثر كما أن السياسي لا يحتاج إلى تقديم نفسه بديلا عن المرجعية حتى يستلهم القيم التي تؤكدها في خطابها العام.

إن مسار المرجعية في العراق يكشف في النهاية عن علاقة متحركة بين الدين والمجتمع والدولة علاقة لا تقوم على إلغاء أحد الأطراف للآخر بل على تحديد المسؤوليات ومنع الفراغ الذي قد ينشأ حين تتراجع المؤسسات أو تتسع الأزمات.

ومن حماية المجتمع في لحظات الخطر إلى الدعوة لترسيخ الدولة في مراحل الاستقرار يبقى جوهر هذا المسار واحدا (صيانة الإنسان والمجتمع والدفاع عن المصلحة العامة) وبين هذا المسار وحراك الشخصيات السياسية التي تتحرك في المجال العام تبقى المسافة قائمة لكن التقاطع في القضايا الوطنية يظل ممكنا عندما تكون البوصلة هي مصلحة العراق ووحدته واستقراره.

 


مشاهدات 6
أضيف 2026/09/30 - 1:57 PM
آخر تحديث 2026/10/01 - 12:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 71 الشهر 71 الكلي 16585240
الوقت الآن
الخميس 2026/10/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير