شباب بلا عمل .. قطاعات بلا إنتاجية
رغد الكناني
لم تعد البطالة في العراق مجرد رقم في تقرير اقتصادي، بل أصبحت قضية تمس حياة الشباب ومستقبلهم، وتطرح أسئلة صعبة حول قدرة الاقتصاد على توفير فرص حقيقية لجيل يتزايد دخوله إلى سوق العمل عامًا بعد آخر. فبين خريج يحمل شهادة جامعية ويبحث عن وظيفة تتناسب مع تخصصه، وشاب آخر ينتظر فرصة للتعيين، وآخر اضطر إلى العمل في مهنة لا علاقة لها بما درسه، تتسع الفجوة بين طموحات الشباب والفرص المتاحة أمامهم.
وتكشف نتائج مسح القوى العاملة في العراق لعام 2021، الذي نفذه الجهاز المركزي للإحصاء وهيئة إحصاء إقليم كردستان بدعم من منظمة العمل الدولية، أن معدل البطالة بلغ 16.5%، بينما ارتفع بين الشباب إلى 35.8%. وهذه الأرقام لا تعكس فقط صعوبة الحصول على وظيفة، بل تكشف حجم التحدي الذي يواجهه الشباب عند الانتقال من التعليم إلى الحياة العملية.
غير أن المشكلة أوسع من البطالة بمفهومها التقليدي؛ فهناك من يعملون في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم، أو في أعمال محدودة الساعات، أو في وظائف لا تستفيد بصورة حقيقية من قدراتهم. وهنا يصبح السؤال ليس: كم شابًا لا يعمل؟ بل: كم شابًا يعمل في المكان المناسب وبالطريقة التي يستفيد فيها الاقتصاد من طاقته؟
أحد أسباب هذه المشكلة يتمثل في الفجوة بين التعليم وسوق العمل. فسنوات الدراسة والشهادة الجامعية لا تضمن وحدها الحصول على وظيفة، خصوصًا عندما تكون التخصصات والمهارات التي يحتاجها الاقتصاد مختلفة عن مخرجات التعليم. ولذلك فإن العراق بحاجة إلى علاقة أكثر وضوحًا بين الجامعات والمعاهد وسوق العمل، وإلى اهتمام أكبر بالتعليم المهني والتقني والتدريب العملي، حتى لا تتحول الشهادة إلى نهاية الطريق بدل أن تكون بداية للحياة المهنية.
وفي ظل محدودية فرص القطاع الخاص، تبقى الوظيفة الحكومية حلمًا لدى الكثير من الشباب، لما توفره من استقرار وراتب منتظم. لكن الدولة لا تستطيع أن تكون المصدر الوحيد للوظائف، كما أن معالجة البطالة من خلال التعيينات الحكومية وحدها لا تعالج جذور المشكلة، ما لم يرافقها نمو حقيقي في القطاعات الإنتاجية.
وهنا يأتي دور القطاع الخاص الذي يحتاج إلى بيئة أكثر ملاءمة للنمو والاستثمار. فالمشاريع الصغيرة والمتوسطة يمكن أن تكون مصدرًا مهمًا لفرص العمل، إذا حصل أصحابها على التمويل والتدريب والتسهيلات اللازمة، وإذا أصبحت إجراءات تأسيس المشاريع أكثر سهولة، وتوفرت بنية تحتية وخدمات مصرفية وسوق قادرة على دعم الإنتاج المحلي.
والعراق لا يفتقر إلى القطاعات التي يمكن أن تستوعب هذه الطاقات. فالزراعة، على سبيل المثال، ليست مجرد زراعة محصول، وإنما يمكن أن تفتح فرصًا في التخزين والتبريد والنقل والتصنيع الغذائي والتسويق. وكذلك الصناعة يمكن أن توفر وظائف مباشرة وغير مباشرة، بينما تمتلك السياحة إمكانات كبيرة في بلد يضم مواقع تاريخية ودينية وأثرية وطبيعية يمكن أن تتحول إلى نشاط اقتصادي يوفر فرصًا واسعة للشباب.
أما النفط، الذي يمثل موردًا أساسيًا للاقتصاد العراقي، فلا ينبغي النظر إليه باعتباره مشكلة بحد ذاته، وإنما إلى كيفية استخدام عائداته. فاستثمار جزء من هذه الإيرادات في التعليم والبنية التحتية والزراعة والصناعة والطاقة والسياحة والتكنولوجيا يمكن أن يساعد على بناء اقتصاد أكثر تنوعًا، بحيث يصبح النفط وسيلة لتمويل التنمية وليس المورد الوحيد الذي يعتمد عليه الاقتصاد.
وفي النهاية، فإن قضية الشباب لا يمكن اختزالها في أرقام البطالة. خلف كل شاب يبحث عن وظيفة قصة وطموح وأسرة ومستقبل ينتظره. وكل سنة تمر من دون فرصة مناسبة تعني طاقة بشرية لا يستفيد منها الاقتصاد بالشكل المطلوب.
لذلك، فإن الاهتمام بالشباب ليس ترفًا ولا مسؤولية جهة واحدة، بل هو استثمار في مستقبل العراق. فالشباب هم ثروة البلاد الحقيقية وقادة المستقبل، ومنحهم التعليم الجيد والتدريب وفرص العمل والمساحة للمبادرة والإبداع يعني بناء جيل قادر على تحويل موارد العراق وإمكاناته إلى إنتاج وتنمية.
العراق بحاجة إلى الانتقال من ثقافة انتظار الوظيفة إلى ثقافة صناعة الفرصة، ومن اقتصاد يعتمد على الوظيفة الحكومية والنفط إلى اقتصاد قادر على خلق وظائف جديدة في الزراعة والصناعة والسياحة والتكنولوجيا والقطاع الخاص. فالشاب الذي يحصل على فرصة اليوم لا يبني مستقبله وحده، بل يشارك في بناء مستقبل وطن كامل