الإحتفال بيوم السيادة العراقي.. إستعادة القرار الوطني وترسيخ الإستقلال الأمني
جواد الرميثي
يمثّل الاحتفال بـ«يوم السيادة» في العراق محطة وطنية مهمة في مسيرة الدولة العراقية الحديثة، لما يحمله من دلالات سياسية وأمنية وتاريخية ترتبط باستعادة القرار الوطني، وتعزيز استقلالية المؤسسات العسكرية والأمنية، وترسيخ مفهوم السيادة الوطنية بوصفها حقاً أصيلاً للشعب العراقي في إدارة شؤونه الداخلية والخارجية.
وتكتسب هذه المناسبة أهمية خاصة مع اقتراب العراق من استكمال مراحل إنهاء المهام العسكرية لقوات التحالف الدولي، وتسليم القواعد والمنشآت العسكرية إلى القوات العراقية، والانتقال إلى مرحلة جديدة من التعاون الأمني والشراكة الثنائية.
ويأتي الاحتفال في ظل تحديات أمنية وسياسية تشهدها المنطقة، ليكون فرصة لاستذكار تضحيات العراقيين في سبيل حماية وطنهم، والتأكيد على قدرة المؤسسات الوطنية على تولي مسؤولياتها الأمنية وصيانة استقلال القرار العراقي.
السيادة الوطنية.. مفهوم يتجاوز حدود الجغرافيا
لا تقتصر السيادة الوطنية على خروج القوات الأجنبية من أراضي الدولة، بل تشمل استقلال القرار السياسي، وحرية إدارة المؤسسات الوطنية، وحماية الحدود، وصيانة الدستور، وضمان قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها بما ينسجم مع مصالح شعبها.
وفي الحالة العراقية، اكتسب مفهوم السيادة أهمية استثنائية نتيجة التحولات السياسية والأمنية التي أعقبت عام 2003، وما رافقها من وجود عسكري أجنبي وتحديات أمنية وصراعات إقليمية ودولية.
ومن هنا، فإن الاحتفال بيوم السيادة يحمل رسالة وطنية تؤكد حق العراق في إدارة ملفاته الأمنية والعسكرية وفقاً لمصالحه الوطنية، وإقامة علاقاته الدولية على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
من الوجود العسكري للتحالف إلى الشراكة الأمنية
شهدت العلاقات الأمنية بين العراق والتحالف الدولي تطورات مهمة خلال السنوات الماضية، ولا سيما بعد إعلان هزيمة تنظيم داعش عسكرياً في العراق عام 2017.
وفي عام 2024، أُعلن عن تفاهمات وخطط لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق على مراحل، والانتقال إلى علاقات أمنية ثنائية مع الدول المشاركة فيه، بما يتيح استمرار التعاون في مجالات التدريب وتبادل المعلومات والخبرات.
ويمثل هذا التحول خطوة مهمة في إعادة تنظيم العلاقة الأمنية بين العراق وشركائه الدوليين، مع انتقال المسؤولية الميدانية بصورة أكبر إلى المؤسسات العسكرية العراقية، وتحديد أوجه التعاون المستقبلي وفق الاتفاقات الثنائية والاحتياجات الأمنية للبلاد.
القوات العراقية.. مسؤولية حماية الأرض وصون الاستقرار
تحتل القوات المسلحة العراقية بمختلف تشكيلاتها موقعاً محورياً في دلالات يوم السيادة، إذ ترتبط المناسبة بمسؤوليتها في حماية الحدود وتأمين المدن وملاحقة الجماعات الإرهابية والحفاظ على الاستقرار الداخلي.
وقد قدمت القوات العراقية تضحيات كبيرة في معاركها ضد تنظيم داعش، وأسهمت في تحرير المدن والمناطق التي سيطر عليها التنظيم.
مؤسسات رسمية
ويشكل تطوير القدرات القتالية والتدريب والتسليح والتكنولوجيا الحديثة أحد المتطلبات الأساسية لترسيخ السيادة الأمنية، إلى جانب تعزيز دور المؤسسات الرسمية في حماية المواطنين وضمان سيادة القانون.
ومن هذا المنطلق، يمثل يوم السيادة مناسبة لتجديد الثقة بالمؤسسات الأمنية والعسكرية، والتأكيد على أهمية دعمها وتمكينها من أداء مسؤولياتها الوطنية بكفاءة.
تضحيات الشهداء.. ذاكرة وطن لا تُنسى
لا يمكن الحديث عن السيادة العراقية بمعزل عن التضحيات الكبيرة التي قدمها أبناء الشعب العراقي في مواجهة الإرهاب والدفاع عن الوطن.
فقد شهد العراق حروباً وصراعات وعمليات إرهابية سقط خلالها آلاف الشهداء من العسكريين والمدنيين، فضلاً عن الجرحى والنازحين والعوائل التي فقدت أبناءها ومنازلها.
وتكتسب فعاليات استذكار الشهداء وضحايا الإرهاب أهمية خاصة ضمن الاحتفال بيوم السيادة، إذ تعيد تسليط الضوء على التضحيات التي أسهمت في استعادة الأمن والاستقرار.
كما تمثل المناسبة فرصة لتجديد الالتزام برعاية عوائل الشهداء والجرحى، وضمان حقوقهم وتوفير الدعم اللازم لهم، وفاءً لمن قدموا حياتهم من أجل الوطن.
الفعاليات الرسمية والشعبية.. مظاهر الاحتفاء بالسيادة
تتخذ الاحتفالات الوطنية أشكالاً متعددة، تجمع بين الفعاليات الرسمية.
والأنشطة الثقافية والاجتماعية التي تعكس مشاعر الاعتزاز بالوطن.
ويمكن أن تتضمن فعاليات يوم السيادة، بحسب القرارات الحكومية، إقامة مراسم وطنية واستذكار الشهداء، وتنظيم أنشطة ثقافية وإعلامية في بغداد والمحافظات.
ومن أبرز مظاهر الاحتفاء بهذه المناسبة:
رفع العلم العراقي: تعبيراً عن وحدة البلاد وسيادتها واستقلالها.
استذكار الشهداء: من خلال وقفات تأبينية وفعاليات تستحضر تضحيات العراقيين.
الأنشطة الثقافية والفنية: إقامة معارض وندوات وبرامج وثائقية عن تاريخ العراق وتضحيات أبنائه.
المشاركة الشعبية: ارتداء الشارات الوطنية التي تحمل ألوان العلم العراقي أو رموزاً وطنية.
الأنشطة الإعلامية والتربوية: تنظيم برامج توعوية لتعريف الأجيال الجديدة بأهمية السيادة الوطنية.
وتبقى طبيعة الفعاليات ومواعيدها مرتبطة بالقرارات الرسمية التي تصدرها الجهات الحكومية المختصة.
السيادة الاقتصادية.. استكمال الاستقلال الوطني
لا يقتصر مفهوم السيادة على الجوانب الأمنية والعسكرية، بل يمتد ليشمل الجوانب الاقتصادية والتنموية.
فاستقلال القرار السياسي يرتبط بقدرة الدولة على إدارة مواردها الطبيعية، وتنويع مصادر دخلها، وتعزيز الإنتاج الوطني، وتوفير فرص العمل للمواطنين.
ويواجه العراق تحديات اقتصادية تتعلق بالاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، والحاجة إلى تطوير القطاعات الصناعية والزراعية والسياحية، وتحسين الخدمات العامة والبنية التحتية.
ومن هنا، فإن تعزيز السيادة الاقتصادية يتطلب بناء اقتصاد متنوع وقادر على مواجهة الأزمات، وتطوير التعليم والبحث العلمي، وتحسين كفاءة المؤسسات العامة.
التحديات التي تواجه السيادة العراقية
على الرغم من أهمية إنهاء الوجود العسكري الأجنبي، فإن ترسيخ السيادة الوطنية يظل عملية مستمرة تتطلب معالجة مجموعة من التحديات، أبرزها:
مكافحة الإرهاب وتطوير القدرات الاستخبارية والأمنية.
حماية الحدود وتعزيز قدرات المراقبة والتنسيق الأمني.
ترسيخ سلطة الدولة وسيادة القانون.
إدارة العلاقات الإقليمية والدولية بما يحفظ المصالح الوطنية.
تعزيز الوحدة الوطنية والتوافق بين القوى السياسية والمجتمعية.
تطوير القدرات العسكرية والأمنية بما يضمن الجاهزية والاستقلال في اتخاذ القرار.
وتؤكد هذه التحديات أن السيادة ليست هدفاً يتحقق بقرار واحد، بل مسار طويل يرتبط ببناء الدولة وتعزيز مؤسساتها وتحقيق الاستقرار والتنمية.
خاتمة: السيادة.. مسؤولية وطنية متجددة
يمثل يوم السيادة في العراق مناسبة وطنية تستحضر معنى الاستقلال، وتؤكد أهمية استعادة القرار الأمني والعسكري، وترسيخ سلطة الدولة وحماية وحدة البلاد.
كما يشكل فرصة لتكريم تضحيات الشهداء، وتجديد العهد بحماية الوطن، وتعزيز الثقة بقدرات المؤسسات العراقية، والعمل على بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق تطلعات شعبها.
وإذا كان استكمال المهام العسكرية للتحالف الدولي وتسليم القواعد والمنشآت العسكرية إلى الجانب العراقي يمثلان جانباً مهماً من مسار السيادة، فإن المعنى الأوسع لهذه المناسبة يكمن في بناء دولة مستقلة القرار، قوية المؤسسات، وقادرة على إدارة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية.
إن السيادة ليست مجرد ذكرى تُستعاد في يوم محدد من العام، بل هي مسؤولية وطنية متجددة، تتجسد في حماية الأرض، وصون كرامة المواطن، واحترام القانون، وتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، ليبقى العراق آمناً موحداً، قادراً على رسم مستقبله بإرادة أبنائه.