الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رؤساؤهم ورؤساؤنا

← بواسطة azzaman

هاشتاك الناس

رؤساؤهم ورؤساؤنا

ياس خضير البياتي  

 

يموت بعض رؤساء الدول بعد مغادرة الحكم في مستشفى عام، ويعود بعضهم إلى بيته بعد انتهاء ولايته؛ يتقاضى معاشه، ويترك القصر كما يترك الموظف مكتبه عند انتهاء الدوام. ينتهي الحكم عندهم بانتهاء الولاية. أما عندنا، فالولاية قد تنتهي، لكن المسؤولية لا تنتهي... بل تتناسخ!

يخرج رئيساً فيعود مستشاراً، وتنتهي الوزارة فتبدأ الهيئة، وتنتهي الهيئة فتظهر المفوضية، وتنتهي المفوضية فتولد اللجنة، ثم تُشكّل لجنة لمتابعة أعمال اللجنة! حتى يخال المواطن أن الدولة ليست دولة، بل مشتل للمناصب؛ كلما قطعنا غصناً نبتت منه خمسة مناصب.

هناك، المنصب كرسي مؤقت تجلس عليه لتخدم الدولة، ثم تنهض عنه عندما تنتهي مهمتك. أما عندنا، فيبدو أن الكرسي إذا جلس عليه المسؤول، تعلّم الجلوس ولم يتعلم النهوض!

في الدول التي تحترم مؤسساتها، الرئيس يأتي بموعد ويغادر بموعد. لا يحمل القصر معه إلى البيت، ولا يطلب من الدولة أن تظل خادمة له بعد انتهاء خدمته. أما عندنا، فقد يخرج المسؤول من الباب، لكن الباب يبقى مفتوحاً له: سيارة، حماية، مكتب، مستشارون، وامتيازات. فتسأل: هل انتهت ولايته، أم بدأت ولاية امتيازاته؟ والأطرف أن بعض المسؤولين يدخلون المنصب بجيوب متواضعة، ثم يخرجون منه وكأنهم كانوا يتدربون طوال سنوات الحكم على اكتشاف كنوز الأرض!

بلد ينقصه الدواء والسكن والعمل والخدمات والأسرّة في المستشفيات، لكنه لا يعاني نقصاً في السيارات الرسمية، ولا الحمايات، ولا المكاتب، ولا اللجان. أما المواطن، الذي أنشئت كل هذه المؤسسات لخدمته، فيحتاج إلى واسطة حتى يثبت أنه مواطن.

ثم تأتي الخطب عن الزهد والتقوى. جبهة سوداء من كثرة السجود، ويد سوداء من العبث بالمال العام! قد تجد رئيساً في دولة غير مسلمة لا يصلي ولا يصوم ولا يحمل مسبحة، لكنه يعرف شيئاً بسيطاً: أن المال العام ليس ماله. وقد تجد مسؤولاً عندنا لا تفوته صلاة، ولا مناسبة دينية، لكن المال العام عنده يبدو كأنه صدقة جارية لنفسه لها ألف فتوى!

قد تجد في الغرب سياسياً يشرب الخمر، لكنه لا يشرب ميزانية الدولة. وقد تجد عندنا من لا يشرب الخمر، لكنه يشرب من الموازنة حتى آخر قطرة!قد تجد هناك من لا يصوم رمضان، لكنه يصوم عن أكل حقوق الناس؛ وهنا من يصوم شهراً كاملاً... ثم يفطر على حقوق ألف مواطن.

كان رؤساء الجمهوريات في العراق حتى عام 1968 يتقاضون راتبًا لا يتجاوز 700 دينار عراقي. مات عبد الكريم قاسم وفي جيبه ربع دينار، ورحل الأخوين عارف بلا رصيد في البنوك، يسكنون بيوتًا قديمة شُيّدت من شقاء عمرهم وخدماتهم في الجيش.

اما رواتب رؤساء اليوم تصل إلى 70 ألف دولار شهريًا. وفي شهادة تلفازية صادمة، يقول عادل عبد المهدي – أحد رؤساء الوزراء السابقين –: راتبي كان مليون دولار مع المخصصات. وذلك في وقتٍ لا يتجاوز فيه راتب رئيس الولايات المتحدة 33 ألف دولار، ورئيس فرنسا 16 ألف دولار، ورئيس ألمانيا 30 ألف دولار، ورئيس الهند 6 آلاف دولار.

هناك، عندما يخسر الرئيس الانتخابات، يعود إلى بيته. لا يحمل معه الدولة، ولا ينهار النظام، ولا تتوقف الحياة. أما عندنا، فقد تنتهي ولاية المسؤول، لكن ظله يبقى: حماية، مكتب، امتيازات، ونفوذ... حتى تشعر أن الرجل لم يغادر المنصب، وإنما المنصب غيّر مكانه فقط.

هناك في بلد الكفر الدولة أكبر من الرئيس، وأن القانون أعلى من الجميع، وأن أعظم ما يتركه المسؤول بعد رحيله سمعة نظيفة وبلداً أفضل مما تسلّمه. أما نحن، فما زلنا نبحث عن مسؤول يخرج من الحكم كما دخل إليه: بيدين نظيفتين. في ثقافتنا السياسية، الكرسي ليس أداةً للتداول السلمي، بل هو معركة وجود. من يجلس عليه يظن أنه امتلك مفاتيح السماء والأرض، فيمدّ جذوره في المال العام، ويحوّل الدولة إلى مزرعة خاصة.  ولهذا تصبح المقارنة موجعة: بين مؤمن حج بيت الله بمال العباد لعدة مرات، وبين كافر ترك منصبه معتذراً لشعبه، ثم جلس في مقهى شعبي يحتسي قهوة الصباح مع الفقراء.

ولعلَّ أشدَّ ما يُؤلم في الحكاية أن بعضهم ترك الكرسي فعاد مواطنًا يسكن شقّةً متواضعة في بلده، بينما بعضنا ترك المواطنة نفسها، وراح يتردّد أيَّ قصرٍ يختار في دبي أو بيروت أو إسطنبول أو لندن، وجعل من الكرسي والمال الحرام وطنًا لا يغادره… كرسيّ «أبو لزكة جونسون»!

هناك، يترك الحاكم الكرسي خلفه، فتظل كلاب البلد سعيدة مرفهة، والقطط متخمة بالطعام. أما هنا، فالحاكم يأخذ الكرسي معه إلى البيت، ويترك شعبه جائعًا يقتات على لحم الحمير!

yaaas@hotmail.com


مشاهدات 21
الكاتب ياس خضير البياتي  
أضيف 2026/09/27 - 2:44 PM
آخر تحديث 2026/09/28 - 2:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 246 الشهر 47528 الكلي 16580048
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير