التوقيع هوية على الورق
عامر محسن الغريري
في غرف استعلامات دوائر الدولة، وأمام أجنحتها الإدارية، سجل مفتوح لتثبيت حضور الأفراد ومغادرتهم بالتوقيع. خدمتنا الصدفة لتأمل تواقيع إحدى السجلات، فأصابتني الدهشة لندرة الجميل فيها؛ إذ يجمع بينها الصغر والكبر، والنزول والصعود، والبتر والتموج. بررت لبعضهم الأمر بالاستعجال، أو المرض، أو التعب، ونسبت للآخرين الاستخفاف بالتوقيع، وشعورهم بثقل هذا الإجراء وعدم ضرورته. فهو عندهم مجرد خطوط على الورق، متناسين أنه هوية وإثبات ومسؤولية، ومصباح يكشف عن نفسية الفرد وتقلبات مزاجه. وللتوقيع حكاية قديمة تعود إلى أرض العراق، إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن بداياته ارتبطت بالحضارة السومرية، التي عرفت الكتابة والتوثيق قبل آلاف السنين، فكان الإنسان يترك أثره ليؤكد حضوره وملكيته ومسؤوليته. ولأن التوقيع يحمل هذه الرمزية، يهرول المعجبون خلف مشاهير الفن والرياضة والكتابة للحصول عليه، لا لمجرد خطوط يضعها المشهور على ورقة، وإنما لإحساسهم بأن هذا التوقيع وثيقة تربطهم بمن يعجبون به، وذكرى تحتفظ بقيمتها مع مرور الزمن. فالتوقيع ليس خطوطاً عابرة، ولا حركة تؤدى على عجل، بل علامة شخصية تلازم صاحبها، وترافق معاملاته، وتحمل شيئاً من خصوصيته وحضوره. تعالوا نطور هذا التوقيع الذي بدأت حكايته من أرض العراق، ونجعله أكثر جمالاً وإشراقاً ووضوحاً، ليكون جديراً بأن يكون عنواناً لصاحبه، ودليلاً على حضوره، وبصمة لا تضيع بين خطوط الأوراق.