الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الناقد المختلف


الناقد المختلف

عبدالكريم الحلو

 

الافكار الجديده لا تُقاس بعدد خصومها،

ولا بكثرة المصفقين لها ، وإنما بقدرتها

على أن تعيش بعد أن يخفت الضجيج

من حولها.

 

ولذلك تعلمت، وأنا أمضي في أفكاري النقدية ، أن بعض الضجيج ليس سوى علامة على أن الفكرة بدأت تتحرك خارج حدودها الأولى، وأن بعض الذين لا يملكون القدرة على مناقشة الفكرة يلجؤون إلى محاولة التشويش على صاحبها.

 

نلاحظ بعض الاصوات النشاز  كطنين الذباب  ، لذلك اراها غير جديرة بأن نجيب عنها، كما أن كل حجر يُلقى في طريقك لا يستحق منك أن نتوقف عنده لنسأل:  

 

من رماه  ؟     ولماذا  ؟

 

أنا، ببساطة، قررت ألا ألتفت للوراء ، ليس غروراً ، ولا استعلاءً على أحد، وإنما احتراماً للوقت، واحتراماً لمكانتي بين الناس ، واحتراماً للفكرة التي استغرقت مني سنوات من القراءة والتأمل والمراجعة والبحث ومقارعة النصوص.

 

مشروعي النقدي لم يولد من رغبة في الظهور ، ولم أكتبه بحثاً عن تصفيق ، ولم أختر نصوصي لأن أحداً طلب مني أن أكتب عنها ، فأنا أقرأ الشعر ، وأختار ما أراه جديراً بالقراءة ، وفق ذائقتي ورؤيتي وقراري النقدي .

 

أقترب من النص حين أجد فيه ما يستحق الاقتراب ، وأختلف معه حين يكون الاختلاف ضرورة ،  وأحتفي بجماله حين يفرض الجمال نفسه ،  وأشير إلى مواطن ضعفه حين تكون الأمانة النقدية تقتضي ذلك.

 

فالناقد الذي يخاف من النص  لا يستطيع أن يقرأه، والناقد الذي يخاف من الشاعر لا يستطيع أن ينصفه.

ومن هنا كان سؤالي الدائم :

ماذا يستطيع الناقد أن يضيف إلى النص؟

 

هذه الجملة بالنسبة لي لم تكن سؤالاً عابراً، بل هي جوهر المشروع النقدي الذي آمن به .

 

فالنقد الذي يعيد صياغة ما قاله الشاعر ليس نقداً، والنقد الذي يكتفي بإطلاق الأحكام ليس نقداً، والنقد الذي يتحول إلى مديح مجاني يفقد ضرورته، كما أن النقد الذي يتحول إلى تصفية حسابات شخصية يفقد شرفه.

 

النقد الحقيقي فعل قراءة منصفة وصادقة وأمينة ، وفعل اكتشاف ، و كشفٍ لما لم تقله القصيدة بصورة مباشرة ، ولذلك فأنا لا أخشى النقد، بل أحتاج إليه ، وخاصة النقد الذي يصوّب خطئي، ويكشف عثرتي، ويعيد ضبط بوصلة فكرتي ، لأنني أعتبره شريك في بناء المشروع لا خصم له ، أما التهجم، فلا يصنع معرفة ، والسخرية لا تصنع نظرية ، والثرثرة لا تنتج منهجاً ، والضجيج لا يهزم فكرة حية .

 

رغم أن بعض الاصوات هنا وهناك كطنين الذباب الالكتروني ، غير جديرة بأن نجيب عنها، ولا كل حجر يُلقى في طريقنا  يستحق منا أن نتوقف عنده لنسأل

من رماه  ؟  

ولماذا رماه   ؟

 

فالتاريخ يعلمنا دروساً بالغة الأهمية كل فكر جديد لا يُستقبل بالترحاب أحياناً ، وخاصة من أبناء البيئة التي يولد فيها .

 

كما ليس بالضرورة كل الافكار الجديدة هي أفكار عظيمة ، فهذه مغالطة يجب تجنبها،  

الأفكار الجديدة قد تهز أحياناً ما استقر في الوعي من عادات ومسلّمات وطرائق نظر.

 

وهنا لا أضع نفسي، بطبيعة الحال، في مقام العلماء والفلاسفة ، فذلك سيكون ادعاءً لا معنى له ، ومنزلة لا استحقها .

 

إنما أستحضر القاعدة التاريخية التي تقول :

أن أصحاب الأفكار الجديدة لا يعيشون دائماً في بيئة تفهمهم فوراً ،  وقد تكون مقاومة الفكرة أحياناً جزءاً من الطريق الذي يجعلها أكثر وضوحاً وصلابة.

 

ولعل  ( نيتشه ) يقدم لنا درساً في العلاقة بين صاحب المشروع وزمنه ، كان ( نيتشه ) يكتب مشروعاً فلسفياً شديد الاختلاف عن كثير من السائد في عصره، ولم تكن كتبه تحقق انتشاراً تجارياً واسعاً أثناء حياته .

وتشير مصادر تاريخية إلى أن مبيعات عدد من كتبه كانت محدودة للغاية، قبل أن يتسع حضوره الفكري بصورة كبيرة بعد موته.

 

إنها مفارقة تستحق التأمل  : قد يعيش الإنسان في زمنه، لكن فكرته قد تكون موجهة إلى زمن لم يأت بعد ،  ولهذا لا ينبغي للمثقف أن يجعل التصفيق الفوري معياراً لقيمة ما يكتب.

 

فالزمن ليس قارئاً سريعاً ،  إنه قارئ بطيء، قاسٍ، لا يجامل أحداً ، قد يتأخر في الاعتراف ، لكنه، حين يحكم،  لا يكتفي بالصوت الأعلى ، بل يشهد بصدق الفكرة والمشروع.

 

الفكرة والدرس المهم هنا :

لا كل من حورب هو عبقري،  ولا أن كل من تعرض للنقد سيصبح لاحقاً عظيماً .

 

  " هذه رومانسية لا أؤمن بها "

 

نصيحتي لكل باحث :

لا تجعل رد فعل معاصريك المقياس الوحيد لقيمة ما تفعل ، فقد يكون التصفيق صادقاً ، وقد يكون النقد صادقاً ، وقد يكون كلاهما مخطئاً ، والفيصل في النهاية هو العمل.

 

فكل مشروع نقدي جديد  لا يحتاج إلى حماية من الاختلاف ، فأنا لا أريد لمشروعي النقدي أن يعيش في منطقة محمية ، و لا أريد من أحد أن يصفق لي لمجرد أنني كتبت ، ولا أريد أن يتحول الاختلاف معي إلى خصومة.

 

بل على العكس ،  أريد نقداً يواجهني بالفكرة

يقول لي أين أخطأت ، و أين تعجلت ، يناقش منهجي ، يفكك حجتي ، ويقترح لي منهجاً آخر أو يقدّم قراءة أكثر عمقاً .

 

" سأقرأك وأتشرف بك وأفكارك "

 

كما لا أقبل أبداً أن يتحول الاختلاف معي إلى شخصنة، وإلى محاولة للنيل من صاحب الفكرة،  بدلاً من مناقشة المشروع نفسه، فذلك لا يضيف إلى المشهد الثقافي شيئاً.

فأنا لا أملك الوقت لذلك ، لقد اخترت طريقي ، وأعرف لماذا اخترته.

 

أنا لا أكتب لكي أرضي الجميع ، فحين أكتب عن شاعر، لا أكتب لأن الشاعر صديقي ، ولا أتوقف عن الكتابة عن نص لأن صاحبه يختلف معي .

 

 كل قراءاتي النقدية هي مفاجأة صباحية لأصحابها وقد تكون حد الدهشة أحياناً، فانا أقرأ لكل أدباء الكوكب ولا اتعنصر الى بيئة او وطن بعينه ، لهذا تراني اكتب لكل الامصار والاقطار بعيداً عن هويتي ومذهبي وقوميتي وما أؤمن به من أفكار ، نقطة التقائي هي النتاج الفكري المتميز  والانساني هو مذهبي وديدني.

 

هذا أنا واضحاً كالشمس   :

لا أرفع قصيدة لأنها لشاعر مشهور

ولا أخفضها لأن صاحبها مغمور

النص عندي هو نقطة البداية

والنص هو نقطة الاختبار

 

النقد هو المسافة التي أحاول أن أبنيها بين ذائقتي الشخصية وبين حكمي النقدي.

ولهذا فإن اختياراتي النقدية ستبقى ملكاً لرؤيتي.

سأقرأ من أريد

وأكتب عن من أريد

وأترك من لا أجد في نصه

ما يستفز أسئلتي النقدية

 

" فليست مهمة الناقد أن يقرأ الجميع "

بل أن يقرأ ما يستحق القراءة بالنسبة إلى مشروعه، وأن يمنح ما يقرأه أقصى طاقته من الإنصات والتأويل.

 

أنا بطبيعتي لا أبحث عن إجماع لأفكاري ،   بل أبحث عن أثر

 

والفرق بين الاثنين كبير :

الإجماع  :  قد تصنعه المجاملة ، وقد تصنعه العلاقات ، وقد تصنعه المصالح ، وقد تصنعه الرغبة في إرضاء الجميع .

 

أما الأثر :  فلا تصنعه إلا الفكرة والعمل والزمن ، لذلك لا يعنيني أن يخرج الجميع من قراءتي متفقين معي.

يكفيني أن أجعل القارئ يعيد النظر

أن أجعله يرى في القصيدة ما لم يره قبل القراءة.

أن أفتح في النص باباً جديداً

أن أضع سؤالاً على الطاولة

أن أجعل النقد نفسه موضوعاً للتفكير

ذلك هو الانتصار الذي يعنيني.

 

أما الطارئون… فليقولوا ما يشاؤون

ليس في الأمر مأساة ، كل مشروع يمر في طريقه بأصوات كثيرة بعضها يضيف إليه، وبعضها يختبره، وبعضها لا يفعل أكثر من استهلاك الهواء.

وأنا لا أريد أن أحوّل الطارئ إلى قضية.

لأن إعطاءه حجماً أكبر من حجمه نوع من الهزيمة.

 

من الحكمة أحياناً أن تعرف ليس فقط متى تتكلم، وإنما متى لا تمنح الكلام لمن لا يستحقه ،  لان التجربة علمتني أن بعض المعارك تربحها بمجرد ألا تدخلها.

 

ومادمتَ تُطعَن من الخلف، فيقيناً أنك في مقدمة المسيرة ، هذه ليست دعوة الى الغرور  ، فالطعن من الخلف ليس شهادة تفوق ، والنقد الناجح ليس بالضرورة دليلاً على الريادة.

 

حتى حين ينشغل البعض بخطواتك الماضية، بينما أنت منشغل بالخطوات القادمة، تكون المسافة بينكما قد بدأت تتشكل ، وهذا هو صلب تطوري وتقدمي منذ اكثر من خمس سنوات .

 

وأنا لا أريد أن أقيس تقدمي بعدد الذين يختلفون معي ، بل أقيسه بعدد الأفكار التي أصبحت أكثر وضوحاً.

 

بعدد النصوص التي قرأتها بعمق.

بعدد الدراسات التي أنجزتها.

بعدد الأسئلة التي استطعت أن أفتحها.

 

وبما إذا كان مشروعي النقدي ، في نهاية المطاف، قد أضاف شيئاً إلى المشهد النقدي العربي بشهادة كبار الادباء والشعراء وحتى الكتاب وهذا مايشرفني ويدفعني للأمام .

 

سأواصل مشروعي النقدي بهدوء  ، لأني أدركت أن الهدوء أكثر حكمة ، وبجرأة حين تكون الجرأة ضرورة ، وبثورة حين تصبح الثورة الفكرية شرطاً لتحريك المياه الراكدة.

 

سأبقى وفياً للنص وللفكرة قبل صاحبها، وللحقيقة النقدية قبل المجاملة.

لن أحيد لأن أحداً لا يعجبه الطريق

ولن أغير بوصلتي لأن عابر سبيل أراد أن يرسم لي طريقاً آخر ، ولن ألتفت إلى الخلف كلما سمعت طنين الذباب الالكتروني .

 

فأنا لا أكتب لأثبت أنني أفضل من أحد

أنا أكتب لأثبت أن الفكرة تستطيع أن تقف على قدميها.

 

وقد تسقط الفكرة

وقد تخطئ

وقد تحتاج إلى تعديل.

وهذا طبيعي جداً

 

لكنها لن تموت لأنها تعرضت للهجوم.

الفكرة تموت حين يتوقف صاحبها عن تطويرها.

وأنا لن أتوقف ، ما دمت حياً

 

خلاصة الكلام :

لا أحد يستطيع أن يمنع ظله من الانحراف.

ولا أحد يستطيع أن يمنع الطريق من أن يحمل غباراً.

ولا أحد يستطيع أن يجعل مشروعه محبوباً من الجميع.

 

لكن الإنسان يستطيع أن يختار شيئاً واحداً :  أن يبقى مستقيماً.

 

لذلك سأترك الظلال لأصحابها.

    وأترك الضجيج للضجيج.

    وأترك الخصومات الصغيرة

     لمن يجد فيها متعته.

 

أما أنا فسأعود إلى عريني ومكتبتي :

إلى القصيدة

إلى النص

إلى السؤال

إلى ذلك المكان الذي بدأ منه كل شيء :

ماذا يستطيع الناقد أن يضيف إلى النص؟

" هناك أجد نفسي "

 

فالتاريخ لا يحتفظ طويلاً بأسماء الذين أكثروا من الضجيج، لكنه يحتفظ، حين يستقر غباره، بمن امتلكوا شجاعة أن يكتبوا، وأن يفكروا، وأن يصمدوا، وأن يتركوا وراءهم شيئاً يستحق أن يُقرأ.

 

واصلوا الطنين إن شئتم

أما أنا .. فسأواصل المسير

فقد تعلمت أن الطريق الطويل

لا يخيف من يعرف إلى أين يمضي.

 

إنتهت رؤيتي النقدية ( الجزء الأول )

      للحديث بقية في  (  الجزء الثاني  )

 

#رؤيتي_النقدية

#إشارتي_للجميع


مشاهدات 42
الكاتب عبدالكريم الحلو
أضيف 2026/09/21 - 2:17 PM
آخر تحديث 2026/09/22 - 1:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 135 الشهر 36716 الكلي 16569236
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير