الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العَلَم في برلين والزناد داخل ميسان

بواسطة azzaman

سيادةٌ على البساط الأحمر

العَلَم في برلين والزناد داخل ميسان

كاظم نزار الركابي

 

اليوم الثلاثاء، تُفتح أمام رئيس الوزراء العراقي بوابة المستشارية الألمانية بمراسم الدولة. تُعزف الموسيقى، ويُرفع العَلَمان، ويجلس القائد العام للقوات المسلحة إلى طاولة تبحث الأمن والطاقة والاقتصاد. وقبل أن يرتفع العَلَم العراقي في برلين، كانت منصة في صحراء ميسان قد أطلقت مسيّراتها، فأصابت شريان النفط السعودي. حملت طائرة رئيس الوزراء صورة الدولة إلى أوروبا، وحملت المسيّرات من أرضه قرارًا لم يصدر عن الدولة.

العراق نفسه، في مشهدين: رئيس حكومة يُستقبل بوصفه صاحب القرار، وسلاح يعبر الحدود من دون أن يُعرَف صاحب قراره. الأول تمنحه العواصم اعترافًا بالدولة، والثاني ينتزع من الدولة معنى هذا الاعتراف في السماء.

لم تنكر بغداد الواقعة. أقرت بأن الهجوم انطلق من أرضها، وأقالت قائد عمليات ميسان وقائد شرطتها، وشددت إجراءاتها على الحدود، وضبطت منصة الإطلاق، وفتحت تحقيقًا للوصول إلى المنفذين. تحركت مؤسسات الدولة بعد أن تحرك السلاح، وأمسكت المنصة بعد أن غادرتها النار.

أُقيل القائد، وبقي القرار

إقالة قائد العمليات تجيب عن الأرض التي خرجت منها المسيّرات، ولا تجيب عن السلطة التي أطلقتها. تعاقب المسؤول عن الحراسة، وتترك صاحب السلاح خارج البيان. والدولة التي تصل إلى الحارس ولا تصل إلى صاحب المفتاح تعلن عجزها في صورة محاسبة. فالمنصة دليل مادي، والفاعل غائب؛ والسيادة تبدأ حين يلتقي الدليل بالاسم.

لم تتبنَّ جهة الهجوم، والتحقيق وحده يملك تسمية الفاعل. الانضباط القانوني يمنع توجيه الاتهام بلا دليل، والانضباط الوطني يمنع بقاء الفاعل بلا اسم إلى الأبد. فالمسيّرة لا تولد في الصحراء، ولا تختار هدفها في السماء، ولا تضغط زرها بنفسها. وراءها قرار، وخلف القرار سلطة، وفوق السلطة غطاء. وكل تحقيق يتوقف قبل الوصول إلى هذا الغطاء يمنح صاحب السلاح منصة جديدة. طلب رئيس الوزراء من السعودية ألّا ترد، فاختارت الرياض تأجيل النار واحتفظت بحقها في حماية أمنها. أدت الدبلوماسية واجبها، وأرجأت ردًا كان يمكن أن يفتح النار على العراق. وبقي على السيادة أن تؤدي واجبها: الوصول إلى اليد التي صنعت سبب الرد.

المكالمة تمنع حربًا مرة، ولا تمنع منصةً من الإطلاق مرة أخرى.

لم تضرب المسيّرات منشأة سعودية وحدها؛ ضربت طريقًا لجأت إليه المنطقة بعد اختناق هرمز. وفي اللحظة التي يبحث فيها العراق عن منافذ جديدة لنفطه، خرجت من أرضه نار تضرب منفذ جاره. الحكومة تفاوض على فتح الطرق، والسلاح الخارج على قرارها يغلقها. الدولة تعرض نفسها جسرًا للاقتصاد، والمسيّرة تعرضها ممرًا للحرب.

هنا يتعرّى معنى السيادة. لا تصنعها مراسم الاستقبال، ولا تمنحها مذكرات التفاهم، ولا يكملها عَلَم يرتفع عند بوابة أوروبية. السيادة أن تملك الدولة زناد أرضها: أن تعرف من يسلّح، ومن يخزن، ومن يأمر، ومن يطلق؛ وأن تكون هي وحدها صاحبة التوقيع على ما يعبر حدودها.

في هذه اللحظة تفترق سيادتان: سيادة البروتوكول التي تعترف بها العواصم، وسيادة الزناد التي تصنعها الدولة باحتكار قرار الحرب. تُمنح الأولى في يوم، وتُبنى الثانية حين يصل كل سلاح إلى قيادة معلومة وحساب معلوم. والدولة التي تملك الأولى وتفقد الثانية تُصفق لها القاعات، ويسألها الجوار: من يحكم العراق حين يُطلق النار؟

وصل الزيدي إلى باريس حاملًا ملفات الأمن والطاقة والشراكة، ثم ينتقل إلى برلين، إذ يستقبله المستشار فريدريش ميرتس بمراسم عسكرية. التحية العسكرية في برلين تكرّم الدولة العراقية، ومنصة ميسان تسأل عن حدود هذه الدولة. فالقائد العام الذي يُحييه حرس الشرف في الخارج، ينتظره في الداخل سلاح لا يقف في طابوره.

تستطيع فرنسا وألمانيا توقيع الاتفاقيات مع الحكومة العراقية، واستقبال رئيس حكومتها بوصفه الممثل الشرعي للبلاد. أمّا الثقة فلا تُوقَّع على الورق وحده. المستثمر يسأل عمن يحمي مشروعه، والجار يسأل عمن يحمي حدوده، والشريك الأمني يسأل عمن يملك قرار القوة. الدولة التي لا تضمن زنادها تفقد جزءًا من قدرتها على ضمان عقدها.

مؤسسات رسمية

جاءت الحادثة قبل أسابيع من الثلاثين من أيلول، الموعد المعلن لإنهاء مهمة التحالف الدولي وحصر السلاح بيد الدولة. وكانت خمسة فصائل قد رفضت موعد تسليم سلاحها والاندماج في المؤسسات الرسمية. لا يمنح هذا التزامن حق إلصاق الهجوم بجهة قبل ظهور الدليل، ويمنح الدولة سببًا مضاعفًا لإنهاء المساحة التي يخرج منها السلاح بلا اسم ويعود إليها بلا حساب. فخروج القوات الأجنبية يطوي ذريعة قديمة، ولا يجيب وحده عن سؤال القوة داخل العراق. السيادة لا تُقاس بعدد الجنود الذين يغادرون، وإنما بعدد البنادق التي تعود إلى إمرتها. ولا تُعلن في اليوم الذي يخرج فيه آخر جندي أجنبي، وإنما تثبت في اليوم الذي تعجز فيه أي جهة عراقية عن إطلاق رصاصة خارج قرار الدولة.

الجندي الذي يغادر مسألة يوم؛ والزناد الذي لا صاحب له مسألة دولة.

حصر السلاح ليس هدية لواشنطن، ولا خصومة مع طهران، ولا خدمة تقدمها بغداد للسعودية. إنه استرداد للعراق من كل يد تملك أن تزج به في معركة الآخرين. فالسلاح الذي يستقل بقرار ضرب الخارج يستطيع أن يستقل بقرار ضرب الداخل. ومن يختطف حق إعلان الحرب اليوم، يستطيع أن يختطف حق صناعة السياسة غدًا.

العراق ليس صندوق بريد عسكريًا بين المتحاربين. أرضه ليست ورقة يكتب عليها الآخرون رسائلهم، وسماؤه ليست ممرًا مجانيًا لسلاح يبحث عن هدف. وكل جهة تريد اتخاذ موقف في حرب الإقليم تضع موقفها تحت عَلَم الدولة، وتواجه العراقيين باسمها، وتتحمل أمام القانون ثمن قرارها. أمّا إطلاق النار من أرض العراق، ثم ترك الحكومة تفاوض لمنع الرد، فهو استيلاء على سيادة بلد كامل.

حق السعودية في حماية أمنها لا ينبغي أن يتحول إلى حرب مع العراق، وحق العراق في تجنب الرد يحمّله مسؤولية إزالة سببه. الحدود التي يخرج منها السلاح تضع الدولة أمام عبء لا تمحوه براءتها من قرار الإطلاق. فالعلاقات بين الدول لا تحميها بيانات الإدانة وحدها؛ تحميها قدرة كل دولة على منع أراضيها من التحول إلى جبهة ضد الأخرى.

أمام التحقيق مهمة تتجاوز العثور على الحديد المحترق في الصحراء. عليه أن يصل إلى من نصب المنصة، ومن حدد الهدف، ومن أمّن الإطلاق، ومن منح الغطاء. ولا يحتاج العراقيون إلى اسم صغير يُقدَّم لإغلاق الملف؛ إنهم ينتظرون اسم السلطة التي امتلكت لحظةً حق جر دولتهم إلى الحرب.

سيعود الزيدي من باريس وبرلين محملًا بالاتفاقيات والصور والوعود. وتنتظره في بغداد ورقة أثقل من حقائب الجولة: نتائج التحقيق في القرار الذي سبق طائرته إلى الخارج. فقيمة التحية العسكرية التي يتلقاها لن تكتمل حتى يقف كل سلاح في العراق تحت إمرته.

يُرفع العَلَم على بوابة المستشارية عاليًا، والعَلَم لا يكتمل معناه بمن يرفعه في الخارج؛ يكتمل بمن يمنع إطلاق النار تحته في الداخل. سيادة العراق لا تُوقَّع في قصر أوروبي، ولا تُطلَق من صحراء ميسان. تبدأ عند المنصة التي ضُبطت، وتنتهي عند اليد التي ضغطت الزناد.

فلكل سلاح على هذه الأرض صاحب واحد اسمه الدولة.

 


مشاهدات 23
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/09/14 - 3:47 PM
آخر تحديث 2026/09/15 - 1:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 131 الشهر 24261 الكلي 16556781
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير