الكببجي وجاره الحداد
كامل عبدالرحيم
أحب المطاعم الشعبية المنزوية وأبحث عنها، خصوصاً تلك التي قاومت عوادي الزمن واستمرت بعملها وكأن لها رسالة تؤديها بعيداً عن الربح والخسارة.
في تلك الأحشاء البغدادية الممتدة من ساحة الشهداء حتى علاوي الحلة، وبسبب تجوالي في أزقتها الملتفة مثل ثمرة ملفوف متفسخة، وعلى الأغلب مكترياً تكتكاً سريعاً يقودني، فأصبحت أقوده لتراكم خبرتي المكتسبة. وفي زقاق يختص ببيع الحبال وسنارات الصيد وشبكاته، لحظت زقاقاً آخر يربط بفعل ساحر بين زقاق الصيادين والشارع العام، زقاق يمتد مثل قوس حاجب متعجب مندهش، لا يطرقه سائقو التكتك، فجربته مرة وأخذت بأمر هؤلاء باستخدامه كبراءة اختراع تخصني. أنفش ريشي الرمادي عندما يتعجب التكتكيون من هذه الوصلة. كنت ألمحه بسرعة وهو يتوسط الزقاق، مطعم مستطيل يختص بالكباب وشي التكة، معدود الزبائن، مكتف كصوفي في تكية، تلتمع فيه أضواء النيون مثل دموع حائرة بين الحزن والفرح، تفوح منه رائحة شواء صحي مهما أسرعت بتجاوزه، شواء يمتزج برائحتي سماق متألق وطماطة مشوية مثل أرملة تضمر رغبتها المتأججة تحت وشاح رمادي رقيق.
لكنني، كلما مررت به، لا يكون الوقت الملائم لتناول الطعام، أو أكون محملاً بأغراض تعيق استمتاعي وانفرادي بهذا الصرح المدفون، فأتركه بغم على أمل العودة الحتمية إليه واكتشافه.
بالأمس، كان الموعد المناسب، فكل شيء مهيأ بل ويقودني إليه، فذهبت حذراً مترقباً.
لتلك المطاعم رسالة كما قلت، واستمرار أصحابها على العمل في ظروف غير مواتية وانعدام الترويج بل وحتى الإطلالة السوقية، وبالتالي تعمل لزبائن محددين وكذلك عابري سبيل نادرين أو هواة متبطرين مثلي.
أخذت مكاني وسط مستطيل المطعم، وجهي للزقاق ويميل نحو وجاق الكببجي الذي كان يحاور مجموعة الرواد الوحيدين، غيري بالطبع، مشيراً إلى جهاز تسجيل تصدر سماعاته أنين المطرب محمود أنور المتطلب وصلاً مستحيلاً. كان الكببجي يمتدح جيل السبعينات وما قبله من مطربين، قائلاً لزبائنه، وكانوا شباباً أو متوسطي العمر، بأنكم لن تفهموا تلك الأصوات لأن وقتكم يختلف. كان يحاورهم بميانة متحدثاً عن آبائهم وأعمامهم وأخوالهم. جهاز التسجيل أنظف ما في المطعم، ويدل هذا على ولع واهتمام صاحبه به، ولفتني تشغيله لأغاني على غير عادة الناس في شهر محرم.
كان رجل بعمر الكببجي أو أكبر منه، وكلاهما يفوج في عقد الستينات كما يبدو. هذا الرجل جاره، فيدخل بين الفينة والأخرى ليسرد نكتة على صاحبه، فنضحك جميعاً إلا الكببجي فيبقى متجهماً، وإن كان هاشاً باشاً عدا ذلك. أول نكتة، وجميعها محروقات من كثرة التكرار والإعادة، أولهن كانت عن رجل اصطحب زوجته لعشاء، ولما أدارت عجيزتها عليه لتجلس قال لها (خوش منقلة)، لم تجبه زوجته، ولما عادا للبيت طلب منها إعطاءه المقسوم، فأجابته بأن الأمر لا يستحق إشعال المنقلة من أجل سيخ واحد.
ضحكنا جميعاً ماعدا الكببجي الذي ضاعت ابتسامته البلهاء الغريزية ليحل محلها الغضب. غادر الحداد المطعم، فتدفق الكلام من الكببجي وهو يعمل على تقطيع الطماطمة المشوية ورشها بالملح، قائلاً: جاري منذ خمسين سنة وأخبره، إنه فطير. وأنا أهم بتناول لقمتي الثانية، بالمناسبة لم يخب ظني كباب المطعم، فهو بلا زوائد أو إضافات أو رائحة غريبة، طعمه يقود إلى مطاعم الكباب في الكاظمية وكربلاء، ومذاقه يذوب في الحلق مذكراً بسرعة كل شيء وانطفائه.. دخل الحداد مرة أخرى وهو يحمل هاتفه النقال، على مايبدو ينقل نكاته الماسخة من جهازه، وقبل أن يضحكنا كان هو يضحك ويقول مخاطباً الكببجي مديراً ظهره لنا: اسمع هذه الثانية، ذهب رجل إلى الطبيب شاكياً حالته بأنه يحلم كل ليلة بحمير تلعب وتتبارى كرة القدم، فأجابه الطبيب: لا تقلق سأعطيك دواء يجعلك تنام بلا أحلام مزعجة، فرد هذا عليه: لا دكتور اليوم المباراة النهائية.
ضحكنا جميعاً حتى تناثرت قطع الكباب من أفواهنا، إلا الكببجي حافظ على تجهمه. خرج الحداد وعاد الكببجي ليقول: جاري وأعرفه لا يجيد إضحاك أحد.
كان دكان الحداد الملاصق للمطعم بائساً، لا يحتوي غير كوره مطفأة وسلاسل حديد لا معنى لها ورزات مفككة. قبل أن أنهي وجبتي اللذيذة، عاد الحداد وهو خربان من الضحك ليدير ظهره علينا، فتأملت ملابسه التي لا علاقة لها بالحدادة، ولا نظارتيه اللتين لا تتابعان غير طرف مستهلكة على النيت.
قال لجاره: اسمع هذه قوية، هناك واحد استلم راتبه، ولما عاد لبيته أخذ بعده فوجده ناقصاً خمساً وعشرين ألفاً، فعاد مرة أخرى لعدّه فكان ناقصاً خمسين، أعاده لجيبه مرعوباً وهو يقول لنفسه (أخاف يخلص). ضحكنا جميعاً واكتفى الكببجي بهز يده برماً.
تأملت حالتهما، وكم تشبه الكثير من علاقاتنا، هناك من لا يطيق صاحبه لكنه يعيش معه، ربما لعقود مثل حالتهما، وقد يكون لطول العمر. وأنا أقوم لدفع الحساب، أشار عرضاً الكببجي لنظافة ملابسي وهو يتحدث لزبائنه، وكأنه يستكثر على مطعمه زبوناً مثلي. دفعت الحساب وأنا أقول له: أحلى كباب وأحلى كببجي، وأخذت نفساً لأقول: وأحلى جار، وكأني به يضحك ويبكي في آن واحد.
غادرته على أمل العودة إذا ما كتب الله لنا خبزاً وكباب.
صباح اليوم ذكرت مصطلحاً قد يكون جديداً وهو (أدب البغداديات)، وكان من اللازم إعطاء نموذج لهذا الأدب. افترض أن النص أعلاه يجسد هذا الأدب.