هاشتاك الناس
(باجة) أم نوفل
ياس خضير البياتي
في كل سفرة إلى تركيا وأوروبا أكتشف أن الإنسان العراقي يستطيع أن يغيّر جواز سفره، وعنوانه، وعملة جيبه، وحتى نوع القهوة التي يشربها، لكنه يجد صعوبة شديدة في تغيير عاداته. فالغربة قد تنقل العراقي من بغداد إلى إسطنبول أو من الموصل إلى عاصمة أوروبية، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تنقله من (تفضل) إلى (لا داعي)، ولا من (البيت بيتك) إلى (نلتقي في مقهى).
في هذه السفرة، كنت أراقب الحياة من زاويتين متناقضتين. هناك، في الشوارع الأوروبية والتركية، القطط والكلاب تعيش حياة تكاد تجعلني أشك في أنني أنا المخلوق الذي يحتاج إلى رعاية. لها طعامها ومساكنها وأطباؤها وحقوقها، وأحيانًا أشعر أن بعض هذه الحيوانات يعرف من النظام والخدمات أكثر مما يعرفه بعض البشر في بلادنا. أما نحن العراقيين، فنتعامل معها غالبًا من موقع المندهش: كيف يمكن لحيوان أن تكون له كل هذه المكانة؟
لكن المفارقة أنني، في الجهة الأخرى، وجدت العراقي في الغربة محتفظًا بشيء عزيز لم تستطع المدن الجديدة أن تنتزعه منه: شهامته، وكرمه، وطقوسه اليومية، وذاكرته الغذائية.
وأنت في أوروبا، قد تجد المتاحف مزدحمة بالسياح، والمسارح تعج بعشاق الموسيقى، والمواقع الأثرية تستقبل أفواجًا من الزوار الذين جاؤوا ليتأملوا التاريخ. أما العراقي، فلا بأس أن يزور متحفًا، لكن عليه أولًا أن يعرف أين سوق اللحم والدجاج والسمك، وأين بازر الخضرة والفواكه، وأين المطعم العراقي، وأين يستطيع أن يعثر على شيء يشبه ما كان يشتريه من سوقه القديم.
السائح الأوروبي يسأل عن المتحف. العراقي يسأل: «وين سوق السمچ؟» والاثنان، في النهاية، يبحثان عن الحضارة، كلٌّ بطريقته!
ولعل أجمل ما وجدته في هذه الرحلة أن العراقيين، رغم سنوات الغربة والحنين والابتعاد، ما زالوا يحملون معهم ذلك الكرم الذي يبدو أحيانًا وكأنه مرض وراثي لا علاج له. فأنت إذا دخلت بيت عراقي، لا تدخل لتشرب قهوة وتخرج. أنت تدخل في ورطة غذائية كاملة. تبدأ بـ(تفضل لقمة)، ثم تتحول اللقمة إلى غداء، والغداء إلى عشاء، والعشاء إلى (هاي آخر صحن)، ثم تكتشف أن (آخر صحن) له إخوة وأقارب. وقد عشت شخصيًا هذه الحكاية في أجمل صورها.
في بيت أبي إسماعيل كانت القيمة الحسينية حاضرة بكل ما تحمله من ذاكرة ودفء وطقوس، برعاية أم إسماعيل التي جعلت من المائدة امتدادًا للبيت العراقي. وفي بيت أبي إبراهيم كان المسكوف العراقي ينتظرني برعايته، ولقمة القاضي برعاية أم إبراهيم، مع فارق صغير جدًا لا يفسد المبدأ: السمك كان من بحر مرمرة التركي!
ولم تتوقف الرحلة عند ذلك؛ فقد كانت هناك الدولمة الموصلية والدجاج المشوي برعاية أم حارث، وكأن كل بيت عراقي في الغربة قرر أن يفتح نافذة صغيرة على مدينة من مدن العراق، ويقول للضيف: تفضل... الوطن ما زال هنا.
ثم جاءت الضربة القاضية في بيت أبي نوفل.
كنت قد أمضيت عشرات السنين دون أن أتناول (الباجة). وكنت، خلال تلك السنوات، قد بنيت لنفسي نظامًا غذائيًا محترمًا، وقواعد صحية صارمة، ومجموعة من المبادئ التي كنت أظن أنها لا تُخرق بسهولة. لكنني اكتشفت أن كل هذه المبادئ قابلة للانهيار أمام قدر من الباجة العراقية تصنعه أم نوفل. هناك انتهت شخصيتي الصحية!
دخلت المعركة وأنا أظن أنني رجل قوي، أراقب اللحم بعين ناقدة، وأتذكر كل ما قرأته عن الدهون والكوليسترول وأضرار الإفراط في الطعام. لكن ما إن بدأت حتى خرجت من جميع قواعد الإتيكيت، وتحولت من صحفي إلى محارب قديم يستعيد أرضًا ضائعة. التهمت اللحم بطريقة جعلتني أصل إلى مرحلة لم أعد فيها قادرًا على التنفس، لا بسبب المرض، وإنما بسبب الوفاء!
والباجة، لمن لا يعرف، ليست مجرد طعام. إنها امتحان في الذائقة والخبرة والنظافة والاختيار. فصناعتها تحتاج إلى مهارة، واختيارها يحتاج إلى عين خبيرة تعرف الذبيحة الجيدة، وحداثة الذبح، والنظافة، وطريقة الإعداد. وكان أبو نوفل يعرف كيف يصطاد الباجة بعقلية صاحب خبرة، بينما كانت أم نوفل تعرف كيف تحولها إلى شيء يستحيل أمامه تطبيق التعليمات الصحية التي قضيت سنوات وأنا أؤمن بها.
وهذا ما يجعل العراقيين في الخارج حالة تستحق التأمل. فقد غيّرتهم المدن قليلًا، وغيّرت ملابسهم وعلاقاتهم وعاداتهم، وربما علمتهم أن القطط والكلاب لها حقوق تستحق الاحترام، وأن النظام العام ليس اقتراحًا، وأن المواعيد ليست وجهة نظر. لكنهم عندما يعودون إلى بيوتهم العراقية الصغيرة في الغربة، تعود الأشياء القديمة إلى مكانها: الضيافة، السؤال عن الأهل، القهوة، الطعام الكثير، والعبارة العراقية الخالدة: «بعدك ما أكلت!»
في هذه الرحلة الصيفية رأيت أشياء كثيرة: متاحف، وآثارًا، وأسواقًا، وموسيقى، ومدنًا جميلة، وحيوانات تعيش أحيانًا حياة أكثر رفاهية من حياة بعض البشر. لكنني رأيت أيضًا حقيقة لم تتغير: أن العراقي، مهما ابتعد، يحمل وطنه في تفاصيل صغيرة جدًا؛ في طريقة إعداد الطعام، وفي الدعوة إلى المائدة، وفي إصراره على أن الضيف لا يمكن أن يغادر جائعًا. وربما لهذا السبب، لا أعرف وطنًا آخر يستطيع أن يجعل الغربة أقل قسوة بصحن قيمة، وسمكة مسكوف، وقدر باجة.
أما أنا، فقد عدت من السفر وأنا أحمل في حقيبتي صورًا من مدن بعيدة، وفي ذاكرتي وجوهًا وطرقات وحكايات، لكنني اكتشفت أن أخطر ما حملته معي كان درس (الباجة). في الغربة قد تنجح في مقاومة الحنين، وتتعلم الانضباط، وتحترم مواعيد القطارات، وتلتزم بكل قوانين الصحة و(الإتيكيت)... لكنك حين تجلس أمام باجة عراقية في جو بارد صنعتها أم نوفل بيدٍ تعرف أسرار المهنة، تنهار أمامك كل الأنظمة الصحية التي بنيتها لسنوات، وتكتشف أن الحنين ليس دائمًا دمعةً في العين؛ أحيانًا يكون صحنًا من الباجة العراقية!
yaaas@hotmail.com