الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الفضائيون

بواسطة azzaman

الفضائيون

حسين علي الحمداني

 

لم يعد مصطلح «الفضائيين» غريباً على الأذن العراقية. صار جزءاً من قاموسنا اليومي، يُتداول في المقاهي والدوائر الحكومية وقاعات البرلمان، ويظهر كلما تحدثنا عن راتب يُصرف لشخص لا وجود فعلياً له في مكان عمله.

لكن «الفضائي» ليس مجرد موظف غائب. إنه واحد من أكثر التعبيرات وضوحاً عن خلل أعمق في الدولة: راتب يخرج من الخزينة، من دون أن يقابله عمل أو إنتاج.

قد يكون الفضائي اسماً وهمياً لا وجود له إلا في السجلات، وقد يكون موظفاً مسجلاً لكنه لا يداوم، أو شخصاً يتقاضى أكثر من راتب، أو يستمر راتبه بالصرف رغم انتهاء علاقته بالوظيفة بسبب التقاعد أو الوفاة أو غير ذلك من حالات الازدواج الوظيفي.

في كل هذه الحالات، النتيجة واحدة: مال عام يُصرف بلا مقابل.

لكن السؤال الأهم ليس: كم عدد الفضائيين؟ بل كيف استطاعت هذه الظاهرة أن تنمو داخل مؤسسات الدولة كل هذه السنوات؟

المشكلة ليست تقنية فقط. صحيح أن غياب قواعد البيانات المترابطة بين الوزارات والمالية والتقاعد والسجل المدني ساعد على تكرار الأسماء وصعوبة اكتشافها، لكن التكنولوجيا وحدها لا تصنع الفساد ولا تمنعه.

الفساد يبدأ عندما يجد من يحميه.

في بعض الحالات، يتحول الغياب عن الوظيفة إلى منفعة متبادلة؛ موظف لا يداوم، ومسؤول يغض الطرف، وربما طرف ثالث يستفيد من الراتب أو جزء منه. وفي حالات أخرى، تصبح الوظيفة نفسها أداة للمجاملة السياسية أو الانتخابية، فتُخلق درجات وظيفية لا تنطلق من حاجة المؤسسة بقدر ما تنطلق من حاجة السياسي إلى توسيع دائرة نفوذه.

المفارقة الدولة التي تبحث اليوم عن «الفضائي» هي نفسها التي سمحت في مراحل سابقة بتكوين البيئة التي أنتجته.

لذلك فإن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقوم على حذف الأسماء فقط.

الربط الإلكتروني، والبصمة، والبطاقة الذكية، وتدقيق الملاكات، كلها أدوات ضرورية، لكنها لا تكفي إذا بقيت الحلقة الأهم خارج دائرة المحاسبة. فإذا حُذف ألف اسم اليوم، ثم فُتحت غداً أبواب جديدة للمحسوبية، فلن نكون قد عالجنا المشكلة، بل أعدنا ترتيبها.

والخسارة هنا ليست مالية فقط.

حين يرى المواطن أن شخصاً يتقاضى راتباً من الدولة من دون أن يعمل، بينما المعلم والممرض والموظف الحقيقي ينتظر راتبه، فإن الضرر يصل إلى معنى العدالة نفسه. وحين تُحتجز الدرجات الوظيفية لأشخاص غير موجودين، فإن مؤسسات الدولة تخسر في الوقت ذاته أموالها وكفاءاتها.

لهذا فإن معركة «الفضائيين» يجب ألا تكون حملة مؤقتة لتصحيح قوائم الرواتب، بل مشروعاً لإعادة بناء علاقة الدولة بالوظيفة العامة.

الدولة تحتاج إلى أن تعرف بدقة: من يعمل لديها؟ أين يعمل؟ ماذا يقدم؟ ومن المسؤول عنه؟

والأهم من ذلك: من صنع الفضائي؟ ومن سمح له بالبقاء؟ ومن استفاد من راتبه؟

إذا تمت محاسبة الموظف الوهمي فقط، وبقيت الجهة التي صنعت اسمه خارج المساءلة، فسوف نستمر في مطاردة الأشباح بينما يبقى من يصنعها واقفاً في الضوء.

«الفضائي» ليس المشكلة كلها، بل هو أحد أعراضها.

أما المشكلة الحقيقية فهي دولة لا تزال تحاول أن تنظف دفاترها، بينما تحتاج قبل ذلك إلى تنظيف الآلية التي تكتب تلك الدفاتر.

فإما أن نغلق الباب الذي يدخل منه الفضائيون، أو سنبقى ندفع رواتب لأشباح، فيما تحتاج الدولة إلى موظفين حقيقيين، ومؤسسات حقيقية، وخدمات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.


مشاهدات 25
الكاتب حسين علي الحمداني
أضيف 2026/08/23 - 2:20 PM
آخر تحديث 2026/08/24 - 12:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 51 الشهر 29395 الكلي 16119099
الوقت الآن
الإثنين 2026/8/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير