الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جنود مجهولون خلف الكواليس.. يوسف سلمان

بواسطة azzaman

جنود مجهولون خلف الكواليس.. يوسف سلمان

ساحر الملامح وصانع هوية الدراما العراقية

بغداد - جواد الرميثي

في تاريخ الفن ، هناك أسماء تلمع تحت الأضواء وأمام الكاميرات، يُصفق لها الجمهور وتُخلد في الذاكرة. لكن خلف تلك الوجوه والشخصيات التي عشقتها الأجيال، يقف «جنود مجهولون» يمتلكون أصابع سحرية قادرة على تحويل الممثل من شخصه العادي إلى ملك تاريخي، أو عجوز أضنته السنون ، أو محارب غطته الندوب . ومن بين أبرز هؤلاء الرواد الذين حفروا أسماءهم بحروف من ذهب في تاريخ الفن العراقي، يبرز اسم الماكير الرائد يوسف سلمان، المعروف في الوسط الفني بلقب «يوسف ماكير».

ولد يوسف سلمان في محلة «باب الشيخ» البغدادية العريقة عام 1938. وفي أروقة المدارس، بدأت تتبلور أولى محاولاته وشغفه بفن الماكياج . ويحدد الراحل عام 1952 كمحطة انطلاق حقيقية لتوجهه نحو هذا الفن الذي استحوذ على اهتمامه بالكامل وكرس له حياته لم تكن رحلته مجرد موهبة عابرة ، بل صُقلت بالعمل الميداني الشاق، ففي عام 1956، شق طريقه كمساعد ماكير مع الفنان الرائــــــــد فوزي الجنابي في مسرحيتي (المورد المسموم) و(يريد يعيش) اللتين قدمتهما «الفرقة الشعبية للتمثيل»، وهي أول فرقة ينتسب إليها . ومنها ، انتقل إلى «فرقة شباب الطليعة»، حتى استقر به المطاف في «فرقة المسرح الفني الحديث» (امتداد فرقة المسرح الحديث) ليصبح عضواً فاعلاً فيها وماكيراً للعديد من مسرحياتها الناجحة.

وفي عام 1960، دخل يوسف سلمان استوديوهات تلفزيون بغداد. وبرغم عمله المسرحي والسينمائي، إلا أن الشهرة الكبيرة والراسخة التي حظي بها جاءت من خلال الأعمال التمثيلية والدرامية التي قدمها التلفزيون، حيث تولى تنفيذ ماكياج شخصياتها طوال عقود ، مخلّفاً إرثاً كبيراً تنوع بين الأفلام التاريخية والدراما الاجتماعية.

وترك «يوسف ماكير» بصمته الفريدة على مجموعة من أهم كلاسيكيات السينما والدراما العراقية، ومن أبرزها:

في السينما: سعيد أفندي (1957)، عروس الفرات (1956)، وردة (1957) ، نبوخذ نصر (1962)، أبو هيلة (1962)، أوراق الخريف (1964)، الحارس (1967)، الجابي (1968)، المنعطف (1975)، الزورق (1977)، القلادة (1980)، العاشق (1985)، وبديعة (1989).

في التلفزيون: كاسب كار (1970)، نادية (1988)، سعاد (1987)، الحب والفأر والكمبيوتر (1987)، الفجر الحزين (1991)، القلب في مكان آخر (1992) ، حكايات مدن ثلاث (1997)، الحب يأتي من النافذة (1997)، أبو جعفر المنصور (1998)، الفراشات (1999)، ورجل فوق الشبهات (2000).

ولم تقتصر موهبته على تغيير ملامح الآخرين فحسب ، بل وقف هو نفسه أمام الكاميرا كممثل في أدوار ثانوية ببعض المسلسلات الشهيرة، مثل: تحت مـــــــــــوس الحــــــــلاق (1983)، صانــــــــــــع الســــــــيوف (1986)، حكايات الأيام العصيبــــــــــــة (1988)، ومسلسل المسافر (1993).

وتميز يوسف سلمان بكونه من الجيل الرائد الذي اعتمد كلياً على «الابتكار اليدوي» والمواد الأولية البسيطة . في زمنه ، لم تكن هناك تقنيات المؤثرات الخاصة الحديثة (SFX) أو مادة «السيليكون» الجاهزة ، فكانت عبقريته هي الأداة البديلة لتحقيق نتائج بصرية مذهلة تحتفظ بها الذاكرة التلفزيونية:

1. صناعة «العجائن» البديلة:

كان يبتكر عجائن خاصة من مواد أولية متوفرة مثل (الشمع ، الصمغ العربي ، وبودرة التلك) لتغيير ملامح الوجه ، مستخدماً إياها في بناء أنوف مستعارة تناسب الشخصيات التاريخية والكوميدية ، أو لإخفاء الحواجب الطبيعية بالكامل ورسم حواجب جديدة تعبر عن مكنونات الشخصية (شريرة ، حزينة ، أو قديمة) .

2. الكونتور البدائي (التكبير والتصغير):

اعتماداً على لعبة الضوء والظل باستخدام أصابع المكياج الزيتية القديمة ، كان يرسم التجاعيد يدوياً وبدقة متناهية مستعيناً بـ «قلم الكحل» والفرشاة الدقيقة لمحاكاة الشيخوخة (كما ظهر في مسلسل أبو جعفر المنصور) ، فضلاً عن استخدام الألوان الداكنة في تجاويف العين لإظهار الشخصيات بمظهر المريض أو المتعب .

3. «اللصق اليدوي» للشعر:

لأن الشوارب واللحى لم تكن تأتي جاهزة ، كان يتبع تقنية «الشعر الحر»، حيث يقوم بلصق خصلات الشعر الطبيعي أو الاصطناعي خصلة بخصلة مباشرة على وجه الممثل باستخدام صمغ «الروح» (Spirit Gum) ، ثم يقوم بقص الشعر وتصفيفه وهو على وجه الفنان ليظهر المظهر طبيعياً وواقعياً للغاية .

4. خلطات الدم والندوب المنزلية:

للمشاهد القتالية أو الحوادث ، ابتكر خلطات سينمائية خاصة:

الدم الاصطناعي: مزيج من (الجلسرين ، صبغة الطعام الحمراء ، والقليل من القهوة) ليعطي اللزوجة واللون الداكن الحقيقي تحت إضاءة الكاميرا .

الندوب والجلد المحترق: استخدام طبقات من المناديل الورقية العادية مع الصمغ (كمادة لاتكس بدائية) لصنع ملمس الجلد المشوه .

5. مواجهة حرارة الاستوديوهات:

كان يمتلك وعياً تقنياً كبيراً بتأثير الإضاءة القوية وحرارتها المرتفعة في الاستوديوهات القديمة والتي كانت تتسبب في سيلان المكياج أو لمعان الوجوه ، فكان يستخدم «البودرة الحرة» (Loose Powder) بكثافة لتثبيت الألوان ومنع اللمعان الذي يفسد جودة الصورة التلفزيونية .

التكريم والرحيل

تقديراً لعطائه الثر وكفاءته النادرة التي قدمها للفن العراقي ، حصل يوسف سلمان على وسام تقدير من المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون بمناسبة تأسيس تلفزيون بغداد .ووفي 29 يناير/كانون الثاني من العام 2011 ، ترجل ساحر الملامح عن صهوة الحياة بعد صراع مرير مع المرض ، حيث تدهورت حالته الصحية في أيامه الأخيرة ، ليرحل في أحد مستشفيات بغداد ، تاركاً خلفه تاريخاً عريقاً ، وإرثاً ملهماً لكل الأجيال التي سارت وتسير على خطاه في عالم خلف الكواليس .


مشاهدات 24
أضيف 2026/08/22 - 2:41 PM
آخر تحديث 2026/08/23 - 12:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 64 الشهر 27668 الكلي 16117372
الوقت الآن
الأحد 2026/8/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير