رحيل درويش
إبراهيم رسول
في ذكرى رحيل الشاعر الكبير محمود درويش، المصادف في التاسع من أغسطس سنة 2008، بعد عمرٍ ناهز سبعةً وستين عامًا، أستعيدُ شاعرًا لم يكن يكتبُ القصيدةَ فحسب، بل كان يكتبُ بها وطنًا، وذاكرةً، وحبًّا، وأسئلةَ الإنسان.
رحلَ محمود درويش، لكنَّ صوته لم يرحل؛ بقيت قصائدُه حيّةً في وجداننا، وبقيت كلماته قادرةً على أن تمنحَ الغيابَ معنى، والمنفى وطنًا، والحبَّ قصيدةً لا تنتهي..فهذا الشاعرُ من الشعراءِ الذين أضعُ مجاميعَهم الشعريةَ قريبةً منّي، لأتناولَها باستمرار؛ فأنا قرأتُه شاعرًا، وقرأتُه ناثرًا، فوجدتُ في شعره قدرةً استثنائيةً على تحويل التجربة الشخصية إلى تجربةٍ إنسانيةٍ واسعة، وفي نثره عقلًا يتأمّلُ الشعرَ والحياةَ واللُّغةَ بوعيٍ عميق. وكلّما عدتُ إليه، لم أشعرْ أنّني أقرأُ شاعرًا رحل، بل أشعرُ أنّني ألتقي شاعرًا يتجدّدُ حضورُه كلّما فتحتُ كتابًا له؛ فالكبارُ لا تنتهي قراءتُهم، لأنَّ نصوصَهم تفتحُ لنا، في كلِّ عودةٍ إليها، بابًا جديدًا للفهم والدهشة والمتعة.
لهذا أعودُ إليه لا بوصفه شاعرَ قضيةٍ ووطنٍ فحسب، بل بوصفه شاعرًا للإنسان أيضًا؛ شاعرًا استطاع أن يجعلَ من اللُّغةِ مساحةً للعيش، ومن القصيدةِ مكانًا نلتقي فيه بأنفسنا، وبالآخر، وبذلك الجزء العميق من الحياة الذي لا تستطيعُ الكلماتُ العاديةُ الوصولَ إليه.