نقطة ضوء
ما لم يقلّه الجد لإحفاده
محمد صاحب سلطان
يجتاحني فرح غامر، جراء حدث عائلي عشته قبل أيام بعد أن أصبحت (جدو) للمرة التاسعة!، على الرغم من أن سبطي الأخير هذا يبعد عني آلاف الأميال وتفصلني عنه المحيطات وكثرة المطارات!، لكن صورته المرسلة ساعة ولادته، أخذت لباب قلبي وأعادتني لصورة كيف حملت والدته بين ذراعي بعد ولادتها في ذلك المستشفى البغدادي، بداية تسعينيات القرن الماضي، ياه شعور لا يوصف ويعجز القلم عن التعبير عما إختلج في الصدر من مشاعر وأحاسيس، أعلم إن الأبوة شئ عظيم لكن يبدو إن الفرح بولادة الأحفاد (أبناء الإبن) والأسباط (أبناء البنت) أعظم، برغم إن ولادة المرء خارج وطنه، فيها من الصعوبات والأشجان والحسرات على اللقاء المؤجل الشئ الكثير، كون لمة العائلة تصبح من الأحلام المؤجلة والسعادات المكللة بالآمال..فعلاقة الجد بأحفاده واسباطه تعد من أحلى وأرق وأدفأ العلاقات الإنسانية، فهي كتلة متراصة من مزيج فريد من نوعه، عصارته الحب الخالص بلا حساب، لذلك يقال على المستوى الشعبي (أعز من الولد، ولد الولد)، فما يربطهم حبل متين من العشق الأبوي وإستمرار النوع، فالجد يرى نفسه فيهم ويتذكر طفولته وطفولة أولاده وهم يكبرون أمامه، ويبدأ يقارن ما بين خصالهم وشبههم ببعض،فذاك حمودي يشبه عمه مجودي، وتلك تشبه جدتها أو خالتها، ونحن الأجداد نتغزل بكونهم أغلى من العين، لإن علاقة الجد بإحفاده وأسباطه، هي عقد فريد لا ينفصم وشئ مقدس، تصنعه جينات المحبة ورابطة الدم،لكون طرفه الأول يمنح الحكمة والأمان، وطرفه الثاني يمنح الأمل والحياة، حيث تكون العلاقة مكتظة بالتوتر والشد الذي يمارسه الآباء على الأبناء، خوفاً من أهوال الحياة ومصاعبها والحوادث المرعبة التي نسمع عنها،لذا يصبح الجد بلسماً ومرهما خاصا يمنح الأمان والإطمئنان، فالجد يرى في أحفاده إمتدادا لنسله وأثره في الحياة، بينما يرى الأحفاد فيه مصدراً للحنان غير المحدود، ومخزن المعرفة والقصص والحكايات والتجارب التي صقتلها السنون، وهو الجسر ما بين الماضي والحاضر، وأحلى الساعات يقضيها عندما يلتم حوله الأحفاد ليقص عليهم شأناً من تأريخ عائلتهم، أو بعض الحوادث التي مرت بإهاليهم، فهم يشعرون بكسر (التابو) الخاص بأبويهم عندما يذكر لهم بعضا من قصصهم وهم صغار، كيف كانوا يتعاملون وممن يخافون، لكون تلك القصص لا يتحدث بها الآباء خشية إهتزاز الصورة!، فالكل كامل ومكمل ولا خطأ فيه!، بل ويطلبون من أبنائهم الحصول على أعلى الدرجات والإعفاء العام كل سنة، بينما كان بعضهم يشحذ درجاته بالعافية!؟، وعندما ينشغل الأبوين بمتطلبات الحياة اليومية من مأكل وملبس وتهذيب، يأتي دور الجد والجدة، بما يشكل الملاذ الآمن للإحفاد عند الشعور بالخوف أو الحيرة، أو حاجتهم إلى إجابات عن اسئلة تشغل عقولهم الصغيرة، حيث تقدم لهم المعرفة والنصيحة بمهل ورحابة صدر بعيدا عن العتاب، فيضفي الجد أو الجدة لمسة الحنان والمرح من دون إكراه، إذ غالبا ما تكون أوقاتهما مع الأحفاد مكرسة للعب والمرح، وما تختزنه أكياسهم المحمولة من هدايا ولعب عند كل لقاء، فترتسم الإبتسامة على الوجوه، بيد إن المختصين في العلوم السلوكية، يؤكدون بإن العلاقة ما بين الجد وأحفاده، ليست نفعا من طرف واحد فقط، بل هي عملية تبادل للحيوية التي يحتاجها الإنسان لمواجهة متطلبات يومه،كون الأحفاد يمنحون الجد والجدة، طاقة مضافة، ويشعرونهم بالشباب والتجدد، ويملؤن حياتهم بالحركة والبهجة في مرحلة قد يغلب عليها الهدوء أو العزلة.
وتأسيسا على ما تقدم، نستغرب أشد الإستغراب من تصرف بعض الأبناء والبنات، من إبعاد الأحفاد عن أجدادهم وجداتهم بحجة الإنشغال وضيق الوقت، متناسين الآثار السلبية على الأحفاد الذين يفتقدون جراء ذلك الدعم العاطفي والشعور بالأمان، فضلا عن ضعف الإنتماء والإرتباط بالهوية والحرمان من الخبرة والحكمة، بينما يترتب على هذا التصرف، آثار سلبية مماثلة على الأجداد والجدات،منها الشعور بالوحدة والعزلة النفسية وفقدان القيمة من خلال الشعور بإنهم أصبحوا هامشيين في حياة أبنائهم وأحفادهم بعد كل ما قدموه من تضحيات، بيد إن الحزن والوحدة لدا كبار السن ينعكسان مباشرةً على سلامتهم وضعف مناعتهم، لذلك أحذر بإن ما يفعله اليوم بعض الأبناء بحجةالإنشغال بمصاعب الحياة الفانية،وما يترتب عليها من بعد وجفاء مع آبائهم وأمهاتهم، سيفعله معهم أبناءهم عاجلا ام آجلا، لإن الأولاد يتعلمون بالقدوة لا بالكلمات!، وبالتالي يتفكك الترابط الأسري ويضعف لديهم عامل البر والخير، وينشأ جيل لا يعرف قيمة صلة الرحم والتزاور، وتلك هي المصيبة، اللهم سترك!.