الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق بمنظور مؤسّسات القرار الأمريكي

بواسطة azzaman

العراق بمنظور مؤسّسات القرار الأمريكي

ليث شبر

 

لا تصنع الولايات المتحدة سياساتها الخارجية داخل البيت الأبيض وحده، ولا يختزل القرار الأمريكي بالرئيس أو وزير الخارجية أو أعضاء الكونغرس. فخلف المؤسسات الرسمية فضاء واسع من مراكز الفكر، ومعاهد السياسات، والجامعات، وشبكات الخبراء والجنرالات والدبلوماسيين السابقين، وهي مؤسسات لا تصدر القرار بصيغته القانونية، بيد أنها تسهم في بناء البيئة التي يولد فيها القرار، وتحدد مفرداته، وتصوغ الأسئلة التي تطرح على المسؤولين، وتقدم البدائل التي تتحول في مراحل لاحقة إلى سياسات وضغوط واتفاقيات.

لهذا لا يكفي أن نعرف ماذا تقول الإدارة الأمريكية عن العراق، بل ينبغي أن نعرف كيف تنظر إليه المؤسسات التي تغذي الإدارة والكونغرس وأجهزة الأمن والدفاع بالرؤى والتقديرات.

ففي واشنطن قد تبدأ السياسة بورقة يكتبها باحث، ثم تتحول إلى جلسة مغلقة، فإحاطة لأحد أعضاء الكونغرس، ثم تدخل في خطاب سياسي، قبل أن تظهر أخيرًا في قرار رسمي أو شرط تفاوضي.

من بين هذه المؤسسات يبرز مجلس العلاقات الخارجية، وهو من أقدم مراكز السياسة الخارجية الأمريكية وأكثرها اتصالًا بالنخب الدبلوماسية والاقتصادية والإعلامية، وتقوم رسالته على التأثير في كيفية انخراط الولايات المتحدة في العالم.

كما يبرز مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS الذي يقدم أفكارًا عملية عابرة نسبيًا للانقسام الحزبي في ملفات الأمن والدفاع والطاقة والاقتصاد. ويؤدي المجلس الأطلسي دورًا مهمًا في تعزيز القيادة الأمريكية وشراكاتها الدولية، ويجمع في نشاطاته بين المسؤولين والخبراء والقطاع الخاص وصناع الرأي.

 أما معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى فقد تخصص منذ تأسيسه في قراءة المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط واقتراح السياسات التي يراها كفيلة بحمايتها.

وفي المجال الأمني تظهر مؤسسة JINSA، المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي، التي تنطلق من رؤية تجعل العلاقة الأمنية الأمريكية الإسرائيلية ركيزة في الاستراتيجية الأمريكية للشرق الأوسط، وتعمل على مخاطبة دوائر الكونغرس والدفاع والأمن القومي، مستفيدة من شبكة تضم عسكريين وخبراء ومسؤولين سابقين. ولذلك لا تكمن أهميتها في عدد الدراسات التي تنشرها فقط، بل في قدرتها على وصل الأفكار بشبكات عسكرية وسياسية تملك الوصول إلى مواقع التأثير.

مشروع دولة

العراق حاضر في إنتاج هذه المؤسسات، لكنه لا يحضر غالبًا بوصفه مشروع دولة قائمًا بذاته، بل بوصفه جزءًا من ملفات أخرى: إيران، والفصائل المسلحة، وأمن إسرائيل، ومستقبل القوات الأمريكية، والطاقة، وداعش، وإقليم كردستان، والتوازن بين الخليج وبلاد الشام. وهنا تكمن إحدى مشكلات العراق الكبرى؛ فالآخرون يضعونه داخل خرائطهم، بينما لم ينجح هو حتى الآن في تقديم خريطته الخاصة إلى العالم.

في منظور قطاع واسع من المؤسسات الأمريكية، لا تبدأ مشكلة العراق من نقص النفط أو ضعف موقعه الجغرافي أو محدودية موارده البشرية، بل من عجز الدولة عن احتكار القوة، ومن امتلاك جماعات مسلحة قدرة على التأثير في القرار السياسي والأمني والاقتصادي، ومن استمرار النفوذ الإيراني داخل بنية الحكم، ومن استخدام شبكات مالية وسياسية لتمويل قوى تتحرك خارج مقتضيات الدولة. ولذلك تحضر عبارة نزع سلاح الفصائل المرتبطة بإيران بصورة متكررة في التحليلات الأمريكية الحديثة، إلى جانب تقليص الاعتماد على الغاز الإيراني، وحماية الاستثمارات الأمريكية، ومنع عودة داعش

لكن هذه القراءة، على أهميتها، تبقى قراءة أمريكية تنطلق من مصالح الولايات المتحدة وأمن قواتها وحلفائها. أما القراءة العراقية الوطنية فينبغي أن تنطلق من أن حصر السلاح بيد الدولة ليس مطلبًا أمريكيًا فحسب، بل شرط لوجود العراق نفسه. وإنهاء النفوذ الإيراني ليس انتقالًا إلى نفوذ دولة أخرى، بل استعادة للقرار العراقي من كل تبعية. ومكافحة الفساد ليست استجابة لطلب خارجي، بل معركة لإنقاذ المجتمع والدولة والاقتصاد من منظومة حولت المال العام إلى مصدر لتمويل الأحزاب والفصائل ومراكز القوة.

إن أخطر ما يواجه العراق في واشنطن أن صورته تصنعها أحيانًا جهات لا تمثله. بعضهم يقدمه بلدًا تابعًا لإيران، وبعضهم يختزله بالفصائل، وبعضهم يراه سوقًا للطاقة، وآخرون يتعاملون معه بوصفه خط دفاع أمام داعش. أما العراق الذي يملك حضارة وشعبًا وإمكانات وموقعًا قادرًا على صناعة توازن إقليمي، فما زال حضوره ضعيفًا داخل شبكات التفكير والتأثير الأمريكية.

لقد أنفقت الحكومات العراقية أموالًا كبيرة على شركات علاقات عامة وعقود استشارية ووفود رسمية، بيد أن العراق لم يبنِ حتى هذه اللحظة لوبيًا وطنيًا مؤثرًا بالمعنى الحقيقي. فاللوبي ليس مكتبًا يتقاضى أجرًا لتنظيم لقاءات، وليس زيارة موسمية إلى الكونغرس، وليس صورة مع مسؤول سابق. اللوبي شبكة طويلة الأمد من السياسيين والباحثين ورجال الأعمال والأكاديميين وأبناء الجالية ووسائل الإعلام، تحمل سردية واحدة، وتعرف ما تريد، وتخاطب كل مؤسسة بلغتها، وتدافع عن مصالح الدولة حتى مع تغير الحكومات.

لدول أصغر من العراق شبكات منظمة داخل واشنطن، ولها باحثون يتابعون ملفاتها، ومؤسسات تنشر رؤيتها، وجاليات تتحرك ضمن أهداف محددة، وشخصيات تصل إلى الكونغرس والإعلام ومراكز الفكر. أما العراقيون فقد تفرقوا بين جماعات حزبية وطائفية وقومية، وصار بعضهم يروّج لمصالح حزبه أو إقليمه أو الدولة التي يرتبط بها، بدل أن يعمل من أجل مصلحة العراق العليا.

وتكتسب هذه الحقيقة أهمية أكبر بعد زيارة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فقد منحت الزيارة الزيدي اهتمامًا سياسيًا وإعلاميًا، وفتحت بابًا لاستثمارات محتملة في النفط والغاز والكهرباء، وأظهرت رغبة أمريكية في اختبار الحكومة العراقية الجديدة.

بيد أن نتائجها لن تقاس بحفاوة الاستقبال ولا بالكلمات الإيجابية التي قيلت في البيت الأبيض، بل بقدرة الحكومة على تنفيذ ما التزمت به، وفي مقدمته ضبط الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، وحماية المصالح الأمريكية، وتقليص الارتهان الطاقوي والمالي لطهران، وتهيئة بيئة مستقرة أمام الشركات الأمريكية.

فالولايات المتحدة لا تنظر إلى الزيارة باعتبارها نهاية لمسار، بل بداية اختبار.

 

وهي تريد أن ترى هل يستطيع الزيدي الانتقال من خطاب التوازن إلى بناء دولة تملك قرارها، أم أن الإطار الذي جاء به سيبقى أقوى من الحكومة، وأن الفصائل التي تدعمه ستمنعه من تنفيذ تعهداته. لقد دفعت قوى الإطار بالزيدي إلى رئاسة الحكومة، بيد أن واشنطن تطالبه عمليًا بأن يبتعد عن النفوذ الإيراني الذي تستند إليه بعض هذه القوى، وهذه هي المفارقة التي ستحدد مستقبله السياسي.

ولا يمكن فصل مافيات السلاح عن مافيات الفساد. فالسلاح الخارج عن الدولة يحتاج إلى اقتصاد موازٍ، والفساد يحتاج إلى قوة تحميه، وكلاهما يحتاج إلى غطاء سياسي وقضائي وإداري. ولذلك فإن أي حديث عن خروج العراق من النفوذ الإيراني لا قيمة له ما لم يبدأ بتفكيك الترابط بين الحزب والفصيل والمصرف والعقد الحكومي والمنفذ الحدودي. فالنفوذ لا يعيش بالشعارات، بل بالأموال والسلاح والمناصب والشبكات التي تسيطر على مفاصل الدولة.

إن رؤيتنا للعلاقة مع الولايات المتحدة لا تقوم على استبدال التبعية لإيران بالتبعية لأمريكا، بل على بناء شراكة بين دولتين مستقلتين. نريد عراقًا صديقًا للولايات المتحدة، منفتحًا على الغرب، متعاونًا مع محيطه العربي، بيد أنه يقرر من بغداد، ويحصر السلاح بيد مؤسساته، ويحمي ثروته، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة حرب أو ممر لمشروعات الآخرين.

ولكي يصل هذا الصوت إلى مؤسسات القرار الأمريكي، يحتاج العراق إلى مشروع وطني منظم داخل واشنطن، يتواصل مع مجلس العلاقات الخارجية، وCSIS، والمجلس الأطلسي، ومعهد واشنطن، وJINSA، والجامعات، والصحافة، والكونغرس، ولا يترك تعريف العراق لخصومه أو للفصائل أو للدول التي تريد إبقاءه ضعيفًا.

إن الدول لا تنتظر الآخرين كي يفهموها، بل تقدم نفسها كما تريد أن يراها العالم. وحتى هذه اللحظة، ما زال العراق موضوعًا في أوراق المؤسسات الأمريكية أكثر مما هو شريك في كتابتها. ومهمتنا الوطنية أن نغير هذه المعادلة، وأن ننقل العراق من بلد تضع له القوى الخارجية شروطها إلى دولة تعرف مصالحها، وتصنع حلفاءها، وتفرض احترامها، وتدخل العالم بصوت عراقي واحد.


مشاهدات 43
الكاتب ليث شبر
أضيف 2026/07/25 - 1:38 AM
آخر تحديث 2026/07/25 - 3:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 281 الشهر 26861 الكلي 15931988
الوقت الآن
السبت 2026/7/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير