هل يتغير الإنسان أم تتغير البيئة؟
فاروق الدباغ
في عام 2015، وخلال مشاركتي في إحدى دورات القيادة وإدارة الأزمات في السويد، عشت تجربة لم تكن مجرد تدريب مهني، بل كانت درسًا عميقًا في فهم النفس البشرية.
كانت أوروبا آنذاك تعيش ذروة موجة اللجوء القادمة من سوريا والعراق. وكان كثير من المشاركين السويديين، الذين لم تعرف بلادهم حربًا على أراضيها منذ أكثر من مئتي عام، يجدون صعوبة في استيعاب سؤال بسيط: لماذا يترك إنسان بيته، ووطنه، وكل ما يملك، ويخاطر بحياة أطفاله في رحلة قد تنتهي بالغرق أو الموت أو الاستغلال؟
قررت الجهات المنظمة للدورة، وهي الصليب الأحمر السويدي، ووزارة الهجرة، وهيئة البلديات السويدية، أن تقدم الإجابة بطريقة غير تقليدية.
لم تكن هناك محاضرات أو عروض تقديمية، بل تجربة معايشة كاملة.
دخل أكثر من خمسين مشاركًا إلى قاعة التدريب، ثم قُسمنا إلى أربع عائلات، يتكون كل منها من أب وأم وطفلين بأعمار مختلفة. أما بقية المشاركين، فقد أُسندت إليهم أدوار رجال الشرطة، وحرس الحدود، وموظفي الهجرة، ومهربي البشر، والسماسرة، وأشخاص يستغلون حاجة الفارين.
بدأت التجربة بعرض فيلم قصير يصور السويد وقد تعرضت لهجوم عسكري واسع. قصف، وحرائق، وانهيار في البنية التحتية، وانقطاع للكهرباء والاتصالات، وتوقف لوسائل النقل، وحالة من الفوضى العامة.
وبعد انتهاء الفيلم، لم نعد متدربين.
أصبحنا لاجئين.
تسلّمت كل عائلة مبلغًا مختلفًا من المال الرمزي، وطُلب منها أن تجد طريقًا للهرب والنجاة، وأن تتخذ قرارات مصيرية تحت ضغط الوقت والخوف وعدم اليقين.
منذ تلك اللحظة بدأت أراقب شيئًا أهم من السيناريو نفسه.
كنت أراقب البشر.
الأشخاص الذين كانوا قبل دقائق يتبادلون الابتسامات والقهوة، تحول بعضهم إلى مهربين لا يعرفون الرحمة. بدأوا يرفعون الأسعار كلما ازداد الخوف، وابتزوا العائلات، ولوّحوا بحرمانها من فرصة العبور، بينما مارس آخرون، ممن أدوا أدوار رجال الأمن أو موظفي الهجرة، سلوكيات متعجرفة أو مستفزة لأن الدور الذي أُسند إليهم منحهم سلطة مؤقتة.
وفي المقابل، بدأت العائلات تتغير هي الأخرى.
آباء ينهارون خوفًا على أطفالهم، وأمهات يدخلن في نوبات بكاء، وأشخاص كانوا هادئين بطبيعتهم أصبحوا عدوانيين أو مستعدين للتنازل عن كثير من مبادئهم من أجل النجاة.
وعندما انتهت المحاكاة، كان المشهد خارج التمثيل أكثر تأثيرًا من التمثيل نفسه.
بكى عدد من المشاركين.
لم يبكوا لأنهم شاهدوا فيلمًا مؤثرًا، بل لأنهم اكتشفوا أن ساعات قليلة كانت كافية لتغيير طريقة تفكيرهم، واختبار ضمائرهم، ودفعهم إلى سلوكيات لم يتخيلوا أنهم قد يقومون بها.
بعد سنوات، تذكرت تلك التجربة وأنا أقرأ عن تجربة سجن ستانفورد التي أجراها عالم النفس الأمريكي فيليب زيمباردو عام 1971. ففي تلك التجربة، قُسم طلاب جامعيون عاديون إلى “حراس” و”سجناء” داخل سجن تجريبي. لم يمض سوى أيام قليلة حتى بدأ بعض الحراس يمارسون الإذلال والقسوة، واضطر الباحثون إلى إيقاف التجربة قبل موعدها بسبب آثارها النفسية.
ورغم أن التجربة تعرضت لاحقًا لانتقادات منهجية، فإنها طرحت سؤالًا لا يزال حاضرًا بقوة:
هل يولد الإنسان شريرًا، أم أن البيئة قد تدفعه إلى أفعال لم يكن يتصور أنه قادر على ارتكابها؟
الحقيقة أن الضمير ليس كيانًا منفصلًا عن البيئة التي يعيش فيها الإنسان. فهو يتأثر بما يكافئه المجتمع وما يعاقبه، وبالثقافة السائدة داخل المؤسسة، وبالرسائل اليومية التي يتلقاها حول ما هو مقبول وما هو مرفوض.
عندما تكون النزاهة هي الطريق إلى الاحترام، يصبح الالتزام بالأخلاق أسهل.
وعندما تصبح المحاباة طريقًا للترقي، ويُكافأ الولاء أكثر من الكفاءة، ويغيب الشعور بالمساءلة، تبدأ الأخلاق بالتراجع تدريجيًا، ليس لأن الإنسان فقد إنسانيته دفعة واحدة، بل لأنه اعتاد تقديم التنازل الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، حتى يصبح الاستثناء قاعدة.
لهذا قال المؤرخ والسياسي البريطاني اللورد أكتون عبارته الشهيرة: “السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة.”
فالسلطة ليست شرًا في ذاتها، لكنها تصبح خطرة عندما تتحرر من الرقابة والمحاسبة. عندها يبدأ الإنسان في تبرير ما كان يرفضه بالأمس، ويقنع نفسه بأن ما يفعله ضرورة أو مصلحة أو واجب.
ولهذا فإن المجتمعات لا تحمي نفسها بالمواعظ وحدها، بل تبني مؤسسات تجعل النزاهة ممكنة، وتفرض المحاسبة على الجميع، وتمنع تركز السلطة في يد شخص أو جهة دون رقابة.
إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يفسد بعض الناس عندما يمتلكون السلطة؟
بل: ما الذي يجعل البيئة تسمح للسلطة بأن تُضعف الضمير، دون أن تجد من يوقفها؟
فالضمير لا يموت في لحظة واحدة، بل يذبل بصمت كلما اعتاد الإنسان رؤية الظلم دون اعتراض، أو شاهد إساءة استخدام السلطة دون محاسبة، أو شعر أن الصمت أكثر أمانًا من قول الحقيقة.
ولهذا، فإن حماية الأخلاق ليست مسؤولية الفرد وحده، بل مسؤولية المجتمع كله. فكل بيئة تكافئ النزاهة تزرع ضميرًا أقوى، وكل بيئة تتسامح مع إساءة استخدام السلطة تضع الإنسان أمام اختبار أخلاقي قد لا ينجح الجميع في تجاوزه.
إن الإنسان قد يختار الخير بإرادته، لكن البيئة