الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حوارُ العقلاء

بواسطة azzaman

حوارُ العقلاء

 محمدَ خضيرِ الأنباريِ

 

  يعدُ حوار العقلاءِ الركيزة الأساسية لبناءِ التفاهمِ وتجاوز الخلافات، ولا سيما في الشأنِ السياسيِ الذي تتشابكُ فيهِ المصالح، وتتباينُ فيهِ الرؤى، فحينَ يسودُ صوتُ الحكمة، ويقدمُ المنطق على الانفعال، يصبحُ الحوارُ وسيلةً لإيجادِ حلولٍ واقعيةٍ تحفظُ الاستقرار، وتخدمُ المصلحة العامة.

   منْ هذا المنطلق، يكتسبُ " حوارُ العقلاءِ " أهميةً استثنائيةً بوصفهِ نهجا قادرا على تحويلِ الاختلافِ منْ مصدرٍ للصراعِ إلى فرصةٍ للتوافقِ وصناعةِ مستقبلٍ أكثرَ توازنا. قالَ الله سبحانهُ وتعالى: (ادعُ إلى سبيلِ ربك بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وجادلهمْ بالتي هيَ أحسن) النحل: 125. ويقالُ أيضا: اختلافُ الرأيِ لا يفسدُ للودِ قضية، وهيَ حكمةٌ تختصرُ فلسفةَ الحوارِ الراقي الذي يسمو بالإنسانِ قبلَ أنْ ينتصرَ لفكرةٍ أوْ رأي.

     بينَ مدةٍ وأخرى، يحلو لي أنْ أتحاورَ معَ أحدِ أصدقائي المحامينَ المتميزين، وهوَ منْ النخبِ الثقافيةِ التي تجمعُ بينَ عمقِ المعرفةِ وصدقِ الانتماءِ إلى العراق، حيثُ يطرحُ عبرَ صفحتهِ في مواقعِ التواصلِ الاجتماعي، موضوعاتٍ فكريةً وسياسيةً وقانونيةً تستقطبُ كثيرا منْ التعليقات، فمنها المؤيد لرأيه، ومنها المخالف له، ومنها ما يغلبُ عليهِ الانفعالُ أكثر منْ البرهان.

    أما أنا، فأفضلُ طريق آخرَ للحوار، حيثُ أرفعُ سماعةْ الهاتف، وأتصلُ به، لنبدأ نقاشا هادئا حولَ ما طرحه، نتبادلُ الأدلة، ونستعرضُ النصوصَ القانونية، ونستحضرُ الوقائعَ التاريخية، ونستأنسُ بالتحليلِ الاقتصاديِ متى اقتضى الأمر، فإنْ اتفقتْ معهُ دعمتْ رأيهُ بما لدى منْ معلومات ووثائق، وإنْ اختلفتْ معهُ عرضتْ وجهةُ نظري بأدبٍ واحترام، دونَ تجريحٍ أوْ تشكيكٍ أوْ مصادرةٍ للرأي الآخر.

    إنَ ما أجملَ ما في هذهِ الحواراتِ، أننا لا نبحثُ عنْ غالبٍ ومغلوب، ولا عنْ منتصرٍ ومهزوم، وإنما نبحثُ عنْ الحقيقة، وما إنْ تنتهي المكالمة، حتى نشعر، وكأننا كتبنا بحثا علميا مشتركا يصلحُ للنشرِ في مجلةٍ أكاديميةٍ رصينة، لأنَ الحوارَ كانَ قائما على الدليلِ والمنطق، لا على الانفعالِ والعاطفة.

     إنَ الحوارَ الحقيقي، ليسَ معركةً لإسقاطِ الخصم، بلْ هوَ جسرٌ للوصولِ إلى المعرفة، والعاقلِ لا يخشى الرأيَ المخالف، لأنهُ يدركُ أنَ الحقيقةَ لا يملكها فردٌ واحد، وأنَ الأفكارَ تنضجُ حينَ تتلاقح، والعقول تتطورُ حينَ تستمعُ قبلَ أنْ تتكلم.

    للأسف، أصبحنا نشاهدُ في بعضِ البرامجِ الفضائيةِ نمطا مختلفا منْ الحوار، يقومُ على الصراخ، ومقاطعةْ الحديث، وضرب الطاولة، وتبادل الاتهامات، وكأنَ ارتفاعَ الصوتِ دليلُ قوةِ الحجة، معَ أنَ المنطقَ يقول: إنَ الحجةَ القويةَ لا تحتاجُ إلى ضجيج، وإنما تحتاجُ إلى عقلِ منصفٍ وأذنٍ تسمع، وقلب يتسعُ للرأي الآخر، قدْ تحققُ هذهِ البرامجُ نسبا مشاهدةً مرتفعة، لكنها لا تصنعُ ثقافة، ولا تبني وعيا، ولا تربي أجيالاً على أدبِ الاختلاف.

     إنَ العراقَ اليوم، أحوجُ ما يكونُ إلى ثقافةِ الحوارِ الهادئِ بينَ أبنائه، ولا سيما بينَ النخبِ الفكريةِ والقانونيةِ والأكاديمية، لأنَ بناءَ الأوطانِ لا يتمُ بالصراخ، وإنما بالأفكارِ الرصينة، والاحترامِ المتبادل، والإيمانِ بأنَ اختلافَ الاجتهادِ لا يعني اختلافَ الولاءِ للوطن.

     أتخيلُ دائما، أنَ أجملَ الحوارات، هيَ تلكَ التي تدارُ بعيدا عنْ الأضواء، في مقهى هادئٍ تتناثرُ على جدرانهِ اللوحاتُ الفنية، وتنسابُ في أرجائهِ مقطوعاتٌ موسيقيةٌ راقية، بينما يرتشفُ المتحاورانِ فنجان قهوةٍ يتوسطهُ قدح منْ الماءِ البارد.

     هناكَ لا يكونُ الصوتُ مرتفعا، بلْ تكونُ الفكرة هيَ الأعلى، ولا يكونُ الهدف الانتصار للنفس، بلْ الانتصارِ للحقيقة. فالكلمةُ الهادئةُ قدْ تغيرُ فكرة، والفكرة قدْ تغيرَ مجتمع، والمجتمع الواعي، هوَ الذي يحسنُ الإصغاءُ كما يحسنُ الكلام، فلنجعلْ منْ الحوارِ وسيلةً للتقاربِ لا للتنافر، ومنْ الاختلافِ بابا للإبداعِ لا سببا للخصومة، ولنتذكر دائما أنَ العقلاءَ لا يرفعونَ أصواتهم، لأنَ أفكارهمْ هيَ التي تتحدثُ عنهم، وأنَ الأممَ لا ترتقي إلا حينَ يصبحُ الحوارُ ثقافة، والاحترام منهج، والحقيقة غاية مشتركة للجميع.


مشاهدات 18
الكاتب  محمدَ خضيرِ الأنباريِ
أضيف 2026/07/11 - 1:42 PM
آخر تحديث 2026/07/12 - 1:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 184 الشهر 11958 الكلي 15917085
الوقت الآن
الأحد 2026/7/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير