الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الهوسات والأهازيج في ثورة العشرين.. صوت الثورة ولسان البطولة

بواسطة azzaman

الهوسات والأهازيج في ثورة العشرين.. صوت الثورة ولسان البطولة

جواد الرميثي

 

لم تكن ثورة العشرين العراقية مجرد مواجهة عسكرية بين أبناء العراق وقوات الاحتلال البريطاني ، بل كانت أيضاً معركة إعلامية ووطنية جسّدتها الأهازيج والهوسات الشعبية التي تحولت إلى سلاح معنوي فاعل ، يرفع الروح القتالية للثوار ويخلّد بطولاتهم في ذاكرة الأجيال .

دور بارز

فالهوسة العراقية كانت بمثابة بيان شعبي سريع الانتشار ، تنقل الأخبار ، وتوثق المواقف البطولية ، وتلهب مشاعر المقاتلين ، حتى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الثورة وتراثها الوطني . وقد لعب الشاعر والأديب الكبير محمد مهدي البصير دوراً بارزاً في التعبئة الوطنية ، حتى لُقّب بـ«ميرابو الثورة» تشبيهاً بخطيب الثورة الفرنسية الشهير ميرابو ، وهو صاحب المقولة المعروفة: «لا بخطب المنابر ننتصر بل بالثورة المسلحة».

ومن أشهر هوسات الثورة تلك التي أطلقها بطل معارك الشامية الشيخ مرزوك العواد من عشيرة العوابد التابعة لبني حسن، عندما كانت الطائرات البريطانية تقصف منطقته وتلقي المناشير الداعية إلى الاستسلام ، فواجهها بثقة وشجاعة قائلاً:

«يالترعد بالجو هِزّ غيري»

في إشارة واضحة إلى أن أصوات الطائرات وقنابلها لا يمكن أن تهز عزيمة الثوار .

وفي معركة الرارنجية ، تسلل أحد الفلاحين إلى موقع المدفع البريطاني الذي كان يقصف الأهالي ، وتمكن من قتل الجندي المسؤول عنه وهو يهزج:

«الطوب أحسن لو مكواري»

والمقصود بـ«الطوب» المدفع ، أما «المكوار» فهو سلاح شعبي عراقي معروف يتكون من عصا خشبية تنتهي بكتلة كروية صلبة من القير .

كما ردد أحد الثوار هوسة أخرى أصبحت رمزاً للشجاعة:

«مشكول الذمّه اعله الفاله»

والفالة أداة تستخدم لصيد السمك في مناطق الأهوار ، لكنها تحولت خلال الثورة إلى سلاح فتاك بيد المقاومين . وتروي الروايات أن أحد الفلاحين رمى بها ضابطاً بريطانياً برتبة «سارجنت» فأصاب كتفه إصابة مباشرة ، ففر الضابط هارباً وجنوده يحيطون به والفالة ما تزال مغروسة في جسده .

وللمرأة العراقية حضور لافت في سجل الثورة ، إذ لم تكتفِ بدور المساندة ، بل شاركت في التعبئة المعنوية وصناعة الوعي الوطني . ومن أشهر تلك المواقف ما روته الشاعرة فطيمة من عشيرة الظوالم ، حين سألت أخاها عن ابنها المقاتل ، فأجابها:

«لا جن هزيتي أولوليتي»

فعرفت أن ابنها قد استشهد ، لكنها ردت مفتخرة:

«هزيت ولوليت لهذا»

أي أن الزغاريد والنواح إنما يكونان لهذا اليوم العظيم الذي قدم فيه ابنها روحه للوطن .

كما وقفت إحدى الأمهات أمام جثمان ولدها الشهيد مرددة:

«كل جابت خابت بس آنه»

في تعبير يجمع بين الحزن والفخر باستشهاد ابنها .

أما الشيخ شعلان عناد أبو الجون شيخ عشيرة بني حجيم ، أحد أبرز قادة الثورة في الرميثة ، فقد ارتبط اسمه بعدد من الهوسات الشهيرة . فعندما استدعته السلطات البريطانية إلى بغداد يوم 30 حزيران 1920 وأساء الحاكم المدني معاملته وأمر باعتقاله ، لاحظ البريطانيون ارتعاش رأسه الناتج عن مرض كان يعاني منه ، فظنوا أنه يرتجف خوفاً . وعندما قال له أحدهم إنهم لا يخشون رجلاً خائفاً يرتعش ، أجابهم متحدياً:

«أرعش ما أرعش هذا آنه»

اطلاق هوسة

وهي عبارة تحولت إلى مثل في الثبات والتحدي .

وعند مهاجمته القوات البريطانية في الرميثة أطلق هوسة أخرى اشتهرت بين الثوار:

«حل فرض الخامس كوموله» .

ومن المواقف المؤثرة أيضاً قصة الشاعرة عفته بنت صويلح من عشيرة الأزيرج ، إذ مرّ البريطانيون بابنها الأسير أمامهاز. وخشية أن يضعف أو يستسلم ، خاطبته بهوسة قوية:

«بس لا يتعذر موش آنه»

فأجابها بثبات:

«حطوني ابحلكه وكلت آنه» أي أنه اعترف بنفسه وتحمل المسؤولية بشجاعة .

وبعد انتهاء الثورة ، وعندما شاهد أحد العراقيين القائد البريطاني (ديكسن) يزور قبيلته ، ذكّره بخسائر قواته قائلاً:

«من ذوله اتريع واوينه» في إشارة إلى كثرة القتلى الذين سقطوا من الجنود البريطانيين خلال المعارك .

ومن أروع صور البطولة التي حفظتها الذاكرة الشعبية ، ما فعلته أم عراقية عندما رأت ابنها وقد طعنه جندي بريطاني بحربة بندقيته ، لكنه تمكن قبل موته من الانقضاض على الجندي وعضّه حتى هلكا معاً ، فهتفت الأم بفخر:

«عفيه أبني الجاتل جتاله» .

أما الشاعرة العمارية (انجيده) فقد رثت ابنها الشهيد الذي لم يمضِ على زواجه سوى أيام معدودة ، وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره ، بقولها:

«عربيد اسم أمك يالهيبه»

لتجسد بذلك صورة الأم العراقية التي امتزج فيها الحزن بالفخر .

وقد زخرت ثورة العشرين بعشرات الهوسات التي ما زالت تتردد في الذاكرة الشعبية، ومنها:

«تندار الدنيه وهذا آنه» ، «إتشلبه العيطه ودجيته» ، «يتلكه الصوجر واحنه وياه» ، «بالمايتكايش ذب روحه» ، «ياما يسرّنه وعفّينه» ، «رد هاملتن ذيله ايسوكه» ، «ملينه من جتل الصوجر» ، «ودّوه يبلعنه وغصّ بيّنه» .

لقد كانت الهوسات والأهازيج في ثورة العشرين أكثر من مجرد كلمات تُردد في ساحات القتال ، بل كانت وثائق شعبية حية سجلت بطولات العراقيين ، وحفظت أسماء شهدائهم وقادتهم ، ونقلت للأجيال صورة صادقة عن روح المقاومة والتضحية التي صنعت واحدة من أهم المحطات الوطنية في تاريخ العراق الحديث .


مشاهدات 70
الكاتب جواد الرميثي
أضيف 2026/06/24 - 2:20 PM
آخر تحديث 2026/06/25 - 5:14 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 248 الشهر 23956 الكلي 15899437
الوقت الآن
الخميس 2026/6/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير