لمن تقرع الأجراس؟
دور المصارف الوطنية في الإنقاذ
هاشم حسن التميمي
تمرّ البلاد الآن بمنعطف اقتصادي خطير نتيجة غياب الخطط الاقتصادية التنموية الناجحة، أو اللجوء إلى معالجات ارتجالية غير منتجة، على الرغم من توافر الخبرات الوطنية القادرة على صياغة الرؤى ووضع التخطيط العلمي الذي يقود إلى التنمية والإعمار وتجاوز الأزمات.
وقبل أن نتأمل وضعنا الراهن، فإن الإصلاح يتطلب التعمق في دراسة التجارب العالمية. فكما تشير المصادر المتاحة، تمثل تجربتا سنغافورة وماليزيا نماذج تنموية آسيوية رائدة؛ إذ ارتكزت سنغافورة على تحويل موقعها إلى مركز مالي وتجاري عالمي يعتمد على الاستثمار الأجنبي والتعليم، بينما نجحت ماليزيا في المزج بين الاقتصاد المعاصر والصيرفة الإسلامية، بما يجمع بين التنمية الصناعية وتحقيق العدالة.
لقد نجحت سنغافورة في هندسة مركز مالي متطور وتعظيم مواردها وتحقيق معجزة اقتصادية؛ إذ انطلقت بعد استقلالها عام 1965 كجزيرة فقيرة تفتقر إلى الموارد الطبيعية، فاعتمدت استراتيجية التصدير، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، والاستثمار المكثف في الموارد البشرية المحلية. واصبحت اليوم قوة اقتصادية ورفاهية اجتماعية يشار لها بالبنان ،وهناك العديد من التجارب في دول لا تمتلك مثل موارد العراق، ومع ذلك حققت اقتصادات قوية، ومن أمثلة ذلك دول الخليج العربي.
ونعود إلى الشأن العراقي، وإلى هدر المليارات خلال ربع قرن بسبب غياب النظرية الاقتصادية الواضحة، واستشراء الفساد، وسياسة المحاصصة، وعدم استثمار الخبرات الوطنية في المجال المصرفي. ونستذكر قوة المصارف الحكومية، مثل مصرفي الرافدين والرشيد، في سنوات سابقة قبل أن تتراجع إلى مستويات مقلقة. وينطبق الأمر ذاته على بعض التجارب المصرفية الأهلية التي لم تكن مؤهلة فعلياً للعب أدوار مميزة بسبب ظروفها الخاصة واضطراب السياسة المالية في البلاد.
وفي المقابل، برزت بعد عام 2003 تجارب مصرفية رائدة تسترعي الانتباه وتمنح صناع القرار فرصة ثمينة لاستلهام الدروس منها. وتشير آراء خبراء ودراسات استطلاعية موضوعية إلى تجربة رابطة المصارف الاهلية ومساهمتها في اعمار العديد من الساحات العامة وشارع المتنبي ومناطق تراثية متعددة اثارت الانتباه واعادة الاضواء لبعض الاماكن وتبقى هذه التجربة في اطار مبادرات لاتمس جوهر التحول المطلوب ، ولعل توضيح المعنى يقودنا لدراسة تجربة المصرف العراقي للتجارة، الذي ظل صامداً أمام تحديات كبيرة وأزمات خطيرة وقيود بيروقراطية حدّت من الحركة وأعاقت المبادرة. إلا أن الإدارة الشابة، والرؤى الحديثة، والمزاوجة بين خبرات الأجيال وأنماط العمل المصرفي المتعددة، مكّنت هذا المصرف من تعميق الثقة مع الجمهور والمؤسسات الرسمية والقطاع الخاص، عبر توفير الدعم والإسناد، وتفعيل حركة التنمية، وتجنب المخاطر والمغامرات غير المحسوبة.
إن الخبرات والآراء التي كشف عنها رئيس مجلس الإدارة، بلال الحمداني، ومجموعة من مستشاريه، من خلال حوار صريح ومفتوح مع أكاديميين وإعلاميين، تؤكد امتلاكنا رصيداً طيباً من النجاح يمكن استثماره وتعميمه على عموم مصارفنا العامة والمتخصصة، في إطار برنامج حكومي للإصلاح الإداري والاقتصادي يضعه الخبراء لا مدراء المحاصصة، بعد عصف ذهني ومؤتمر وطني شامل للمختصين، يسفر عن قوانين ساندة لثورة اقتصادية تنموية تخلق أجواءً من المرونة والمنافسة الحرة لرأس المال الوطني، وتحوله من مرحلة التنمر والتوحش والتفرد إلى مرحلة الإنتاج والتنمية الحقيقية.
ويرافق ذلك وضع خطة لنشر الثقافة الاقتصادية عبر إعلام متخصص يوضح الحقائق، ويفند الأكاذيب، ويقطع الطريق على الشائعات والمتصيدين في المياه العكرة، من خلال توفير المعلومات الصحيحة والسريعة، والحد من فوضى التصريحات، بما يسهم في كشف العابثين والمتسترين خلف المحتوى الهابط والصحافة الصفراء التي تؤذي الوطن وتخدع المواطن. فهل ستنظر حكومة الزيدي لهذه التجارب والطاقات المتجددة وتجعل منها ( خميرة) نجاح في حركة الاصلاح وبديلا عن الحرس القديم ومدراء الولاءات لا الخبرات الذين فشلوا في التفكير والتدبير وافقدونا فرص حقيقية للتطوير والتغيير..؟