اللبان العُماني.. إرث طبيعي يجمع التاريخ والطب
مسقط- قتيبة الحميد
يُعدّ اللبان العُماني واحداً من أقدم وأهم المنتجات الطبيعية التي ارتبطت بتاريخ الحضارات في شبه الجزيرة العربية، حيث عُرف منذ آلاف السنين بوصفه مادة عطرية ذات قيمة دينية واقتصادية عالية، حتى أطلق عليه المؤرخون اسم الذهب العطري أو دموع الأشجار. وقد ارتبط إنتاجه بشكل وثيق بمناطق ظفار في سلطنة عُمان وحضرموت في اليمن، وشكّل عبر التاريخ محوراً تجارياً رئيسياً ضمن شبكة طريق البخور التي ربطت جنوب الجزيرة العربية بمصر وبلاد الشام والعراق واليونان وروما، وأسهمت في ازدهار ممالك قديمة مثل حضرموت ومعين وقتبان والأنباط. وينتمي اللبان إلى أشجار من جنس بوسويليا Boswellia، وهي أشجار تنمو في البيئات الجبلية الجافة وشبه الصحراوية، وتتميز بقدرتها العالية على التكيف مع الظروف المناخية القاسية، ويُعرف بعدة أسماء محلية منها الكندر واللبان الذكر واللبان الشحري، ويُستخرج عبر شقوق دقيقة في جذع الشجرة تؤدي إلى إفراز مادة راتنجية تتصلب عند تعرضها للهواء مكوّنة ما يُعرف بـدموع اللبان، وتتم عملية الحصاد عادة مرتين إلى ثلاث مرات سنوياً. وتُعد محافظة ظفار المركز الأبرز عالمياً لإنتاج اللبان، حيث توفر طبيعتها الجغرافية والمناخية بيئة مثالية لنمو أشجاره، لا سيما مع تداخل المرتفعات الجبلية مع تأثير الرياح الموسمية القادمة من بحر العرب، ويُصنف اللبان الظفاري إلى عدة أنواع أبرزها الحوجري الذي يُعد الأعلى جودة من حيث النقاء والرائحة، يليه اللبان النجدي ثم الشزري، بينما يُعد اللبان الشعبي أو السهلي الأقل جودة نتيجة تأثره بالعوامل البيئية الساحلية. وقد لعب اللبان دوراً محورياً في الممارسات الدينية . والاقتصادية للحضارات القديمة، إذ استخدمه المصريون القدماء في الطقوس الجنائزية والتحنيط، كما استُخدم في المعابد اليونانية والرومانية واليهودية والمسيحية كبخور مقدس، وبلغت قيمته درجة جعلت بعض المؤرخين يشبّهونه بالذهب من حيث الأهمية الاقتصادية في ذلك العصر. ومن الناحية الكيميائية يتكون اللبان من خليط من الراتنجات النباتية والصموغ الطبيعية والزيوت الطيارة، إضافة إلى مركبات فعالة أبرزها أحماض البوسويليك التي أظهرت دراسات علمية حديثة امتلاكها خصائص مضادة للالتهابات وتأثيرات محتملة على المناعة والألم، وقد استُخدم اللبان تقليدياً في الطب الشعبي لعلاج التهابات المفاصل والجهاز التنفسي والجهاز الهضمي، إضافة إلى استخدام زيته العطري في تحسين الحالة المزاجية وصناعة العطور والمستحضرات الجلدية، إلا أن الإفراط في استخدامه قد يسبب اضطرابات هضمية أو حساسية أو تفاعلات دوائية، مما يستدعي الحذر واستشارة المختصين.
كما تشير الدراسات البيئية إلى أن الاستغلال غير المنظم لأشجار اللبان عبر الجروح المتكررة قد يؤثر على نموها وتجددها، مما يهدد استدامة هذا المورد الطبيعي، وهو ما يبرز أهمية تطبيق ممارسات حصاد مستدامة وإعادة تأهيل الغطاء النباتي لضمان استمرار الإنتاج. وعلى الصعيد الاقتصادي والسياحي لا يزال اللبان يمثل مورداً مهماً في سلطنة عُمان، حيث أصبح جزءاً من الهوية الثقافية لمحافظة ظفار ويستقطب آلاف الزوار سنوياً، إضافة إلى تصديره عالمياً للاستخدام في الصناعات العطرية والدوائية والتجميلية، ومع تنامي الاهتمام العالمي بالمنتجات الطبيعية يواصل اللبان العُماني تعزيز مكانته كمورد يجمع بين القيمة التاريخية والاقتصادية والبيئية.