نسائم التبصّر لتفادي أهوال الأعظم
فؤاد مطر
بصرْف النظر عما إذا كان الرئيس دونالد ترمب إرتأى أن المواجهة الحاسمة على نحو ما أوضحت ذلك مفردات إطلالات إعلامية له، من شأنها أن تزيد الوضع إرتباكاً في «الفضاء العربي - الأميركي» متمثلاً بأكثرية دول الأمة المشرقي منها والمغاربي، فقرر أن يفسح المجال أمام حيِّز رحب من إمكانية إستبدال التصارع بالتسالم بحيث تشق التسوية طريقها كاسحة التعثير والتعسير على أنواعهما... بصرْف النظر عما أمكن التوقف أمام نسائم الشعور الطيِّب الناشىء في سبيل طي صفحة صراع ضاق المجتمع الدولي بوقائع بعض أيامه، فإن منطقة الشرق الأوسط ربما هي على مواعيد تستهدف القرارات الأميركية – الإيرانية جعْلها تُطمئن النفوس التي ضاقت ذرعاً بما حدَث على مدى سنتين من دمار ودماء كبار وصغار أريقت دون وجْه حق، فضلاً عن تصدعات في مجال العمل والعيش النزوحي كان أذاها دون التحمل.
استكمال قمة
ربما يكون الرئيس ترمب إرتأى وفي ضوء زيارته إلى الصين وما سمعه وأسمعه خلالها في التحادث مع الرئيس شي جين بينغ ثم في ضوء القمة الروسية – الصينية التي بدت بعض عبارات الرئيس بوتين ومضيفه الرئيس جين بينغ كما لو أنها إستكمال للقمة بين الرئيس ترمب والرئيس الصيني وتحفيز الهمم للإنتقال من التحديات إلى واقعية الأحوال الدولية، وهذا بدا على جانب من الوضوح في العبارات التي أورداها في بيان محادثاتهما، وأن الرئيس الأميركي وجد أن مواصلة التحديات مع إيران قد تجعل هذه الأخيرة تجد سنداً روسياً – صينياً فاعلاً لها في مواجهة لا تريدانها الدولتان المرتبطتان بإتفاقات ومعاهدات إستراتيجية وذات فاعلية لم يسبق حدوثها في زمن ثلاثي الكرملين برجُله الأول ليونيد بريجنيف والصين بزعيمها التاريخي ماوتسي تونغ. ولو أن قادة الصراع قي كل مِن الدول الثلاث الولايات المتحدة والصين وروسيا وإيران ومعهم إسرائيل نتنياهو بالذات الملتحفة بموقف أميركي غير مسبوق، طلبوا من المراكز التي تُجري الإستطلاعات في أنظمتهم الإجابة عن سؤال واحد فقط إلى جمْع متنوع من المواطنين رجالاً ونساءاً ومِن متوسطي العمر هو: هل أنت مع وقْف الصراع الذي لم يُنتج سوى القتل والتدمير وبداية الإنهيار الإقتصادي والخوف على المصير، لجاءت الإجابة بنسبة تقترب من المئة في المئة وهي: نريد أن نعيش وتنصرف الأنظمة إلى التنمية ولا يعود هدير الصواريخ والمسيَّرات على ما هو عليه، وتأخذ مجتمعات العمل طريقها نحو الإزدهار ويتم بالتعاون الدولي – الإقليمي بناء كل بيت تم تدميره والتعويض عن كل إنسان إستهدفه صاروخ أميركي وإيراني أو بنياميني، أو من جانب الأذرع الإيرانية المدججة بكل أنواع السلاح.
وقد يقال إن المرونة التي أبداها الرئيس ترمب جاءت بفعل تمنيات قادة الدول الخليجية أو الأرجح وبالذات مِن أحدهم ذي التأثير في صياغة الطلب حتى إذا صيغ بمزيج من العتب الغاضب والتحذير والتنبيه.
كما قد يقال إن الرئيس ترمب الذي زعامته على موعد مع إنتخابات نصفية لمجلس النواب ومجلس الشيوخ، من شأن بقاء الحالة الإيرانية على ما هي عليه أو حسْمها حربياً أن تتسبب في مفاجأة غير سارة لنتائج التصويت، فقرر نقل موقفه من قمة التحدي إلى مشارف التبصر فتهدئة النفس الأمَّارة بالتحدي والتعظيم بنية إتخاذ القرار الحاسم تسوية تهدىء النفوس في الداخل وتجعل «الفضاء العربي – الخليجي – الأميركي» مطْمئِناً إلى حد من أن ما بعد التهدئة إستقراراً للعباد وللبلاد. كما قد يكون إنشغال البال بالجار الكوبي يحسم الأمر ويضيفه إلى ما إرتأى فِعْله مع رئيس فنزويلا غير المحسوم مصيره حتى الآن، هو الذي جعل الرئيس ترمب يتأمل بالعينيْن اليقظتيْن في واقع الأحوال وبنأي متدرج محتمَل الحدوث من جانب أميركا الأُخرى (الجنوبية) عن أميركا الكبرى (الولايات المتحدة).
قضاء عربي
وفي ضوء هذيْن الإحتماليْن: الإحتمال الإنتخابي والإحتمال الكوبي، إرتأى الرئيس ترمب وتكراراً تجاوباً مع نُصح من «الفضاء العربي – الخليجي- الأميركي»، وحِرصاً على إستقرار دوله أن يعيد النظر في ما حدَث في منطقة الشرق الأوسط، وكيف أن إشراك إسرائيل نتنياهو بأثقالها وأفعالها نوع غير إنساني إرتبطت به وبذلك فرَّط بما كان سيجعله ماثلاً في الذاكرة الإنسانية لو أنه بدل هذا الخيار الذي إنتهى شراً، إرتأى الأخذ بما كان سيبدو خيراً، وكان وعد وإن لم يتم الإعلان عن ذلك ثم تحدُث المفاجأة الصاعقة وهي أنه عِوض أن يكون قيام الدولة الفلسطينية في زمن رئاسته فإنه بات الحارس الذي يقي البنيامينية وبالذات بن غفيرها من شرور أفعالهم في غزة ولبنان وحتى في حق الناشطين والناشطات الذين أركعوهم وقيَّدوا أياديهم وأهانوهم بأسلوب يفوق الأسلوب النازي.. فقط لأنهم ينتصرون لما مِن واجب كبير قادة العالم التعاطف معهم، أي الشعب الفلسطيني.
ما يتمناه الإنسان في الولايات المتحدة هو التبصُّر لصاحب القرار بحيث يأتي بالطمأنينة وأما إيران فإن ما يجوز الإفتراض أن التبصر أخذ بدوره حيزاً لدى سيدها مجتبى وإستطراداً لدى رئيسها بزشكيان كما لدى قاليباف وعراقجي وجنرالات الحرس الثوري بعدما تبين لهم أن التبصر يعزز التماسك ويبقى أكثر جدوى لإيران الشعب والدولة والسواعد التي في هذه الحال لن تعود تشتد لكي ترمي. وهذا التبصر تتوق إليه سائر دول العالم التي أضنتها أهوال الحرب والعقدة الهرمزية. وما هو المأمول أن تتحول ملامح التفهم الواقعي من جانب طرفيْ الصراع، وبالذات أميركا ترمب وإيران مجتبى إلى إجراءات ترفرف بموجبها حمائم السلام في سماء المنطقة التي يكفيها ما أصابها كما يكفي ما أصاب الدولتين المتناطحتين ودول القارة الأوروبية.. بل وكل دول العالم. والشواهد كثيرة.
.. والله الغفَّار.