الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تكليف الزيدي.. فيتو الخزينة وإختبار السيادة

بواسطة azzaman

تكليف الزيدي.. فيتو الخزينة وإختبار السيادة

كاظم نزار الركابي

 

جاء تكليف علي فالح الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية في السابع والعشرين من نيسان 2026 بوصفه لحظة سياسية كاشفة، لا إجراءً دستوريًا عابرًا. في قصر بغداد حضرت الرئاسات، واصطفت الكتل، وتقدمت الكاميرات لتوثيق المشهد الرسمي، غير أن المعنى الحقيقي كان أكبر من صورة التكليف. كان السؤال الجوهري حاضرًا في عمق القاعة: من يملك حدود القرار العراقي؟ ومن يرسم سقف الاختيار قبل أن تصل ورقة التكليف إلى يد الرئيس؟

في تلك اللحظة حضرت بغداد بوجوهها الرسمية، وحضرت واشنطن بفيتوها على عودة نوري المالكي، وحضرت طهران بثقلها المتراكم داخل معادلات البيت الشيعي، وحضرت القوى العراقية باستحقاقاتها وحساباتها ومخاوفها. هكذا وُلد التكليف من رحم مأزق عراقي طويل: دولة تملك دستورًا وبرلمانًا ورئاسة وحكومة، وتبحث حتى الآن عن قدرة كاملة لحماية قرارها السيادي من ضغط الخارج وابتزاز الداخل.

من نص الدستور إلى موازين القوة رشّح الإطار التنسيقي الزيدي، وكلّفه الرئيس نزار آميدي بتشكيل الحكومة، وبدأت أمامه المهلة الدستورية لتقديم كابينته ونيل ثقة البرلمان. هذه هي الواقعة الرسمية. أما السياسة الحقيقية فتتحرك في المنطقة الأكثر حساسية: المنطقة الواقعة بين النص الدستوري وموازين القوة التي تحيط به.

الزيدي، رجل الأعمال والمصرفي القادم من خارج نادي الزعامات التقليدية، دخل هذه المنطقة بوصفه اختبارًا عراقيًا جديدًا لسؤال أقدم من كل الحكومات: هل تصنع الدولة العراقية قرارها بإرادتها، أم تتلقى حدوده من العواصم الكبرى؟ هذا السؤال يمنح التكليف معناه الأعمق، ويحوّله من حدث حكومي إلى مرآة لواقع الدولة.

فيتو الخزينة… حين يحكم الدولار

المعارضة الأميركية لعودة المالكي حملت رسالة قوة واضحة. واشنطن تحدثت بلغة النفوذ المالي والسياسي الذي تراكم منذ 2003، ووضعت الدولار في قلب المعادلة العراقية. هنا يظهر معنى “فيتو الخزينة”. العراق بلد نفطي كبير، ويمتلك موارد هائلة، غير أن جزءًا جوهريًا من دورة موارده النفطية ارتبط بترتيبات مالية تمر عبر الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك وصندوق تنمية العراق. هذه الحقيقة تمنح واشنطن نفوذًا عميقًا، وتحوّل المال إلى أداة ضغط، وتحوّل الخزينة إلى مساحة نفوذ.

الجيوش تحتل الأرض، والدولار يحتل القرار. هذه قاعدة عراق ما بعد 2003. السيطرة تأتي عبر المصرف، والتحويل، والقيود، والامتثال، وممرات المال التي تربط الداخل بالخارج. وهنا تكمن المفارقة القاسية: المالكي وصل إلى السلطة في عراق ما بعد الاحتلال الأميركي، ثم خرج من سباق العودة تحت ضغط اعتراض أميركي صريح. التاريخ يعيد إنتاج منطقه بأدوات أكثر برودة وأشد فاعلية.

الزيدي… رجل التسوية أمام سؤال الدولة

علي فالح الزيدي يدخل رئاسة الحكومة من بوابة التسوية. لا يحمل تاريخ الزعامة الجماهيرية، ولا رصيد الحزب العريق، ولا صخب الكاريزما السياسية. يحمل صفة أخرى أكثر دلالة: شخصية مقبولة في لحظة انسداد، ووجه أقل استفزازًا للخارج، وأقل كلفة على الداخل. اختيار الزيدي يكشف أزمة النخبة العراقية بوضوح. القوى الكبرى داخل النظام عجزت عن إنتاج مرشح مؤسساتي راسخ، فاتجهت إلى شخصية تسوية. العراق يملك فائض أسماء، ويعاني نقص مسارات. كل أزمة حكومية تتحول إلى بازار نفوذ، وكل تكليف يتحول إلى اختبار ولاءات، وكل وزارة تتحول إلى سند مطالبة سياسية.

يقف الزيدي أمام خريطة ألغام معقدة. المالكي حاضر بكتلته وعمقه السياسي. قيس الخزعلي حاضر بثقله السياسي والأمني. الحلبوسي حاضر بحسابات المكوّن السني. والقوى الكردية حاضرة بملفاتها التاريخية المفتوحة مع بغداد. كل طرف يدخل طاولة التشكيل وفي ذهنه حصته، لا صورة الدولة التي ينتظرها العراقيون. تبدأ مهمة الزيدي من هنا: نقل الحكومة من منطق الاستحقاقات إلى منطق البرنامج، ومن حسابات الحصص إلى أفق الدولة.

بغداد بين عاصمتين

تقف بغداد اليوم في فضاء جيوسياسي مكشوف. واشنطن تريد حكومة تضبط نفوذ إيران وتعيد ترتيب العلاقة مع العراق على أساس المصالح الأميركية. طهران تريد حكومة تحفظ عمقها السياسي والأمني داخل العراق. الكتل العراقية تريد حكومة تؤمّن حصصها ومواقعها. هذه المعادلة تستنزف الدولة، وتحوّل الحكم إلى عملية إرضاء مستمرة للقوى المتقابلة.

العراق يملك النفط، والموقع، والسكان، والتاريخ، والعمق الحضاري. هذه عناصر قوة كبرى. غير أن القوة لا تتحول إلى سيادة بمجرد امتلاكها. تتحول إلى سيادة حين تُدار بعقل دولة، وتُترجم إلى إنتاج، ومؤسسات، وموقف خارجي متوازن، وقدرة تفاوضية صلبة. العراق يحتاج إلى تحويل ثقله من عبء جغرافي إلى جاذبية ستراتيجية، ومن ساحة صراع إلى مركز تأثير.

من حكومة الحصص إلى حكومة الدولة

المهمة الأولى أمام الزيدي هي بناء حكومة برنامج. الحكومة الناجحة تقيس نفسها بقدرتها على حماية المال العام، وضبط السلاح، واستعادة الخدمة، وتوسيع الإنتاج، وبناء الثقة، وحماية القرار الوطني. الحكومة التي تبدأ بتسوية الاستحقاقات الضيقة تعيد إنتاج الأزمة. الحكومة التي تبدأ بفرض الأولويات الوطنية تفتح بابًا حقيقيًا للنجاة.

العراق يحتاج إلى انتقال حاسم من ثقافة التسوية إلى ثقافة الدولة. ثقافة التسوية تسأل: من يأخذ ماذا؟ ثقافة الدولة تسأل: ما الذي يبقى للعراق بعد توزيع الحصص؟ ثقافة التسوية تقيس النجاح بعدد الزعماء الراضين. ثقافة الدولة تقيس النجاح بقدرة المواطن على لمس الخدمة، وبقدرة القانون على فرض هيبته، وبقدرة الخزينة على حماية استقلالها، وبقدرة الحكومة على صناعة قرارها.

السيادة كبرنامج يومي

السيادة تبدأ من الموازنة، من المصرف، من المنفذ الحدودي، من عقد الكهرباء، من المدرسة، من السلاح المحصور بيد الدولة، من قرار التعيين، من حماية المال العام، ومن تحويل العراق إلى رقم صعب في المنطقة. السيادة ممارسة يومية، وبرنامج حكم، ونظام عمل، وليست شعارًا احتفاليًا يُرفع في الخطب.

تكليف الزيدي يمثل اليوم التالي لسقوط وهم التأجيل. العراق دخل مرحلة تحتاج إلى قرارات كبيرة، وإلى حكومة تعرف أن الزمن السياسي لم يعد يتسع لإدارة الأزمة بالطريقة القديمة. المنطقة تتحرك بسرعة، والقوى الكبرى تعيد ترتيب أوراقها، والمجتمع ينتظر دولة تحميه وتخدمه وتمنحه الأمل.

سؤال الحكومة وسؤال الدولة

الزيدي لا يواجه سؤال توزيع الحقائب وحده. يواجه سؤال معنى الدولة. أمامه فرصة لتحويل التكليف من تسوية اضطرارية إلى بداية مسار جديد. جاء من خلفية اقتصادية، وهذا يمنحه فرصة لجعل الإصلاح المالي قلب مشروعه. جاء من خارج الصف الأول للنخبة التقليدية، وهذا يمنحه فرصة للتحرر من أثقالها. جاء في لحظة ضغط خارجي وداخلي، وهذا يمنحه فرصة لاختبار صلابته.

الحكومة التي تستمد قوتها من إرادة الداخل تبني مستقبلًا. والشارع العراقي، بعد هذا التكليف، ينتظر إنهاء تدوير الوجوه التي استهلكتها صراعات الحصص والمطامع. الدولة التي تختار نفسها تصنع تاريخًا. العراق يقف اليوم أمام امتحان حاسم: الزيدي يستطيع تشكيل حكومة، والعراق مطالب بتشكيل دولة.

 

 


مشاهدات 52
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/05/04 - 4:27 PM
آخر تحديث 2026/05/05 - 12:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 31 الشهر 3820 الكلي 15249014
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/5/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير