الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نهاية جمهورية الترضيات.. عقيدة الردع الإستئصالي وحتمية السيادة

بواسطة azzaman

نهاية جمهورية الترضيات.. عقيدة الردع الإستئصالي وحتمية السيادة

كاظم نزار الركابي

 

تقنيات “التدمير الشامل“ للاسلحة الحديثة التي تستعمل اليوم، في منطقة الخليج العربي، الغت حصر التدمير التقليدي داخل الحدود الجغرافية، فكشفت بهذا هشاشة الدبلوماسية امام الوحش التقني، ووضعت الأنظمة السياسية في المنطقة امام حتمية اختيار البقاء او الزوال، سيما بعد ان الصدمات الارتدادية المتوالية للآلة العسكرية الحديثة الأقنعة عن هشاشة البنى الداخلية لدول المنطقة ومنها العراق.

هذه الحرب، اعلنت النهاية الفعلية والدراماتيكية لحقبة جمهورية الترضيات التي حكمت العراق واستنزفت موارده لعقدين من الزمن. ووضعته أمام تفاعل تسلسلي يفكك العقد الاجتماعي الريعي، ويفرض واقعاً جيوسياسياً جديداً لا يعترف بالحلول الوسطية أو التسويات المؤقتة.

العقيدة العسكرية الجديدة.. صدمة

الردع الاستئصالي

لفهم مسارات الانهيار الداخلي، يتوجب قراءة التحول المرعب في العقيدة العسكرية لدول الصراع، الغى قواعد الاشتباك الكلاسيكية، ليحل محلها مبدأ عسكري متوحش يمكن ان نطلق عليه مفهوما جديدا هو “الردع الاستئصالي”.

قوى عظمى

التقنيات الحديثة لأسلحة القوى العظمى، مكنت جيوشها من مغادرة مربع استهداف الأطراف وتقليم الأظافر، ومن توجيه ضربات دقيقة، مميتة، وشاملة لمراكز القيادة والسيطرة، وللبنى التحتية الحيوية، ولشرايين التمويل الستراتيجية.

هذا التطور في تقنيات التسليح، أمن استعمال أجيال جديدة من الأسلحة الذكية، والصواريخ فرط الصوتية، وأنظمة التوجيه المدمجة بالذكاء الاصطناعي، أحالت الدفاعات الجوية القديمة للجيوش التقليدية إلى خردة معدنية فاقدة للأهمية.

هذه “العسكرة التكنولوجية الفائقة” تفرض اليوم انكشافاً تاماً للدول التي تعاني من فراغ في التغطية الدفاعية السيادية.

في هذا السياق، تجد دولة العراق، نفسها مجردة من أي غطاء جوي رادع، ومفتوحة تماماً أمام انتهاكات تمارسها طائرات وصواريخ الجيل الخامس، مما يسلب الدولة أبسط مقومات هيبتها، ويجعل من سمائها ممراً سالكاً ومجانيا لتبادل النيران الإقليمية.

الانشطار الداخلي وسقوط “التخادم السياسي

الارتدادات الحتمية لهذا الانكشاف العسكري الستراتيجي، تضرب الجبهة الداخلية العراقية بقسوة بالغة، فالنظام السياسي ما بعد العام 2003، تأسس على عقيدة “التخادم الداخلي” وتوزيع المغانم لشراء السلم الأهلي والسياسي، ومن هنا يعيش هذا النظام الريعي اليوم زمن احتضاره تحت وطأة “المقصلة الاقتصادية” وتصدع سلاسل الإمداد العالمية المرتبطة بالحرب لأن تجفيف منابع الوفرة المالية، المتأتي من التهديدات بفرض عقوبات أو تقييد حركة الأموال، يفقد الطبقة الحاكمة أداتها الوحيدة لضبط إيقاع الشارع وإرضاء الشركاء المتشاكسين.

انقطاع شريان الدولار يحول حلفاء الأمس إلى خصوم متصارعين على الموارد الشحيحة المتبقية، ويدفع الكيانات السياسية نحو “الانشطار الداخلي” السريع، جراء التغير الجذري في غرف صناعة القرار، سيما بعد ان استبدلت آلية توزيع الحصص والمقاولات، قسراً بصراع الإلغاء والاستحواذ.

النظام، الذي عجز عن إنقاذ نفسه سريرياً في أوقات السلم، يندفع اليوم نحو تفكيك ذاته بأدواته الخاصة تحت ضغط العواصف الإقليمية.

صعود اقتصاديات الافتراسوعسكرة الداخل

انحسار الغطاء المالي للسلطة المركزية يمهد الطريق لظاهرة مجتمعية وأمنية شديدة الخطورة سنطلق عليها مصطلح “اقتصاديات الافتراس”. عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها البديهية، وتراجع قدرتها على دفع الرواتب وتأمين الخدمات، يدفع مراكز القوى المحلية والفصائل المسلحة إلى البحث عن تمويل ذاتي قسري لضمان بقائها، يتمثل بعسكرة الموارد الداخلية، وفرض إتاوات منظمة، والسيطرة المباشرة على المنافذ الحدودية، والمصافي النفطية، والأسواق المحلية.

وهذا ما يصنع “دولة موازية” تتغذى حصراً على دماء الطبقة الوسطى، وتحيل المواطن إلى رهينة مجردة في معادلة صراع البقاء، لأن الاقتصاد العراقي في هذه الحالة، ينسلخ من ريعية الدولة الأبوية المتهالكة، ليدخل في ريعية الكيانات المتنفذة، وهذا ما يعجل بانهيار الهيكل المجتمعي بأسره، ويفتح الأبواب واسعة أمام فوضى شاملة تأكل الأخضر واليابس، وتحول المدن الآمنة إلى ساحات احتراب أهلي للسيطرة على رغيف الخبز.

الفراغ القاتل.. وتسوية الخرائط الإجبارية

انهيار اقتصادي

حالة الانكشاف العسكري المتزامنة مع الانهيار الاقتصادي الداخلي، تضع العراق في خانة “الفراغ القاتل”. المنظومة الدولية، التي تعيد ترتيب أوراقها الآن، تنظر إلى الجغرافيات الرخوة بوصفها تهديداً للأمن العالمي وملاذاً للفوضى. استمرار عجز المركز عن فرض سيطرته المطلقة، سيدفع القوى الكبرى لتبني خيارات بديلة تتجاوز سيادة الدولة المعترف بها.

وتحيلها الى كانتونات محلية سيتعامل معها المجتمع الدولي على انها أمر واقع اقوى من الحكومة المركزية العاجزة، وهذا يعني إعلاناً رسمياً بوفاة الدولة الموحدة وتحولها إلى غنيمة تتقاسمها إرادات الخارج، يدفع ثمنها المواطن الأعزل المجرد من هويته الوطنية.

حتمية السيادة الاحتكارية.. خريطة الخلاص

المتغيرات الدوليـــــــــــة العسكرية والسياسية المتسارعة لا تمنح العراق ترف الوقت للتعافي البطيء أو إجراء حوارات التوافق العقيمة. واشنطن والقوى الإقليمية تمارس “فرزاً جيوسياسياً قسرياً” يرفض تماماً مناطق الظل والمواقف الرمادية، ويضع بغداد أمام استحقاق سيادي صارم يوجب التماهي التام مع قواعد النظام العالمي الجديد أو مواجهة العزلة التامة.

الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب مغادرة فورية لمربع المحاصصة الكارثي، والتوجه الحاسم لإقرار السيادة المطلقة، لأن الدولة الحقيقية ترفض قطعيًا الشراكة في امتلاك السلاح، وتمنع المساومة على قرارها الأمني، وتحرم تعدد مصادر سياستها الخارجية. تطبيق عقيدة السيادة المطلقة يوجب انبثاق حكومة طوارئ منقذة، تمتلك صلاحيات استثنائية مطلقة، يتعين عليها اجراء عملية جراحية قاسية لاستئصال مراكز القوى الموازية، وتأمين المخزون الستراتيجي للغذاء والدواء، وفرض سلطة القانون بقوة الردع الحازم غير القابل للتفاوض.

هذه اللحظة التأريخية الفاصلة تفرز القادة الحقيقيين ورجال الدولة عن تجار الأزمات وسماسرة المواقف. إرادة التغيير ينبغي أن تنبع من إدراك يقيني بأن استمرار الوضع الراهن يمثل انتحاراً جماعياً مع سبق الإصرار، يمهد لجعل البلاد غنيمة حرب في مزادات التسوية الإقليمية.

     إنهاء مهزلة الترضيات، والارتقاء الفوري إلى مستوى التحدي الوجودي الذي يطرق أبواب البلاد بقوة مخيفة، يؤمنان دولة ذات سيادة مطلقة، تكافئ المبادرين الشجعان، وتلقي بالضعفاء والمترددين إلى خارج الزمن.

 

 


مشاهدات 49
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/03/30 - 3:34 PM
آخر تحديث 2026/03/31 - 12:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 12 الشهر 25116 الكلي 15217184
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير