الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مصر التي في خاطر الجواهري

بواسطة azzaman

مصر التي في خاطر الجواهري

عبد الحسين شعبان

 

في الأصبوحة التي نظّمتها مكتبة الإسكندرية العريقة احتفاءً بصدور كتابي «جواهر الجواهري» (دار سعاد الصباح، الكويت، 2024)، توقّفت في محاضرتي الموسومة «إبحار في أرخبيلات الجواهري»، عند مصر التي في خاطر الجواهري.

تعود علاقة الجواهري بمصر إلى أكثر من 60 عامًا، ويمكنني هنا استحضار بعض محطّاتها المهمّة، فهو خلال حواراتي معه كان دائمًا ما يقول إن مصر هي مصر وهي أم الدنيا بالفعل، وصانعة المجد وصاحبة التاريخ العريق، ولو قُدّر لها أن تتوافق مع العراق أو أن يتوافق العراق معها، لكان قد تغيّر وضع الأمّة العربية، لكن «أبو ناجي» لا يريد أي تقارب بين البلدان العربية، وخصوصًا بين مصر والعراق. ويقصد الجواهري «بأبو ناجي» «بريطانيا» التي كان العراقيون خلال الحرب العالمية الثانية يتندرون بهذه الكنية.

وبغضّ النظر عن السياسات واختلاف المواقف وبعض الحساسيات، فقد كانت مصر في خاطر الجواهري كما يُقال، وقد كتب من النجف قصيدة مهداة إلى الشاعرين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم في العام 1925، يقول فيها: « شوقي وحافظ « لا يَجُسُّ سواكما ... نَبْضَ القريض وما له من واق

وفي العام 1932 كتب قصيدة إلى الشاعر حافظ إبراهيم مؤلفة من 53 بيتًا من البحر البسيط، يقول في مطلعها:

نَعوا إلى الشِعرِ حُراً كان يرعاهُ ... ومَنْ يَشُقُّ على الأحرارِ مَنعاهُ

إلى أن يقول:

إنَّا فَقدناهُ فقْدَ العيَنِ مُقلتها ... أو فقْدَ ساعٍ إلى الهيجاءِ يُمناه

وكانت قصيدته إلى أحمد شوقي، الذي أطلق عليه لقب «شكسبير العرب»، توثيقًا في سجلّ الجواهري المصري، وقد ألقاها في الحفل التأبيني الذي أقامته الدائرة العربية في المدرسة الأمريكية في بغداد يوم الجمعة 11 تشرين الثاني / نوفمبر 1932. ونشرت في الكرّاس الذي أصدرته المدرسة المذكورة، والذي ضمّ ما أُلقيَ في ذلك الحفل. وتتألف في الأصل من 87 بيتًا من البحر المتقارب.

ويقول في مطلعها:

طوى الموتُ ربَّ القَوافي الغُرَرْ … وأَصبحَ «شوقي» رهِينَ الحُفَرْ

إلى أن يقول:

«شَكِسْبيرُ» أُمَّتِهِ لمْ يُصِبْـ … ـهُ بالعِيِّ داءٌ ولا بالحَصَرْ

كأنَّ عيونَ القوافي الحسا ... نِ منْ قبلُ كانتْ له تُدَّخَرْ

وإنْ أصدُقَنَّ «فشوقي» لهُ … عيونٌ مِنَ الشِّعرِ فيها حَوَرْ

الجواهري وطه حسين والمعري

أمّا عن علاقة الجواهري (1900 – 1997) بطه حسين (1889 – 1973)، فكان المشترك بينهما أبو العلاء المعرّي، وهي تعود إلى العام 1944، وكان قد عُرف عن طه حسين دراسته النقدية المعمّقة والمستفيضة للتراث العربي، ومنها أطروحته للدكتوراه «تجديد ذكرى أبو العلاء» وكتابه «مع أبو العلاء في سجنه»، وهو الذي شبّهه بالرياضي والفيزيائي والفيلسوف الفرنسي بليز باسكال، الذي أسهم في إيجاد أسلوب جديد في النثر الفرنسي بمجموعته « الرسائل الريفية»، مقاربةً بينه وبين المعرّي في رياضة الفكر والفلسفة والابداع.

تاج القصائد

شاءت الصدف الجميلة أن يلتقي الكبيران طه حسين والجواهري في فعالية ثقافية عن المعري ثالثهم الكبير، وذلك في مهرجان أبو العلاء المعري الذي نظّمه المجمع العلمي في سوريا في 25 أيلول / سبتمبر 1944، ولم يكن الجواهري يعرف عن المهرجان، إلّا بعد وصوله إلى الشام، وبالطبع لم يكن يعرف بدعوته إليه أيضًا، حيث كان متوجهًا من بغداد إلى الشام بصحبة صديقيه ناظم الزهاوي وحسن الطالباني.

وكانت الدعوة قد وجّهت إلى الجواهري وكلّ من طه الراوي ومحمد مهدي البصير لتمثيل العراق. حاول الجواهري أن ينظُم قصيدةً لكنها لم تعجبه فتركها، على الرغم من أنها مؤلفة من 70 بيتًا، وعشية المهرجان اصطحبه الشاعر عمر أبو ريشة إلى زحلة، وهناك تفتّقت شاعرية الجواهري، وهبطت عليه القصيدة في اللحظة الشعرية، وهكذا توهّجت الحروف وأُضيئت الكلمات بعد ريح خفيفة، تلك التي تسبق المطر أو تعقبه أحيانًا، فبدأ الجواهري يقرأ بعض أبيات قصيدته وكأنها كانت مكتوبة أمامه، واكتملت القصيدة ليلة المهرجان، وحين سألته أين تضع يا أبا فرات قصيدة المعري من بين شعرك: قال عنها إنها «تاج القصائد»، ونُشرت في جريدة «الرأي العام» العدد 1121 في 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1944. عدد الأبيات في الأصل 91، وهي من البحر البسيط، ويقول في مطلعها:

قِفْ بالمعَرَّةِ وامسَحْ خَدَّها التَّرِبا

واستَوحِ مَنْ طَوَّقَ الدُّنيا بما وَهَبا

واستَوحِ مَنْ طبَّب الدُّنيا بحكْمَتَهِ

ومَنْ على جُرحها مِن روُحه سَكَبا

 فما كان من عميد الأدب العربي إلّا أن وقف طالبًا من الجواهري إعادة هذا البيت، فأعاده الجواهري مرّة واثنتان، فطلب منه طه حسين، إضافة ألف أخرى ليصبح البيت على هذه الصورة:

لِثورةِ الفكرِ تأريخٌ يحدّثُنا

بأنَّ ألفَ ألف مسيحٍ دونَها صُلِبا

وعاد الجواهري لقراءة البيت مجددًا وسط تصفيق حاد، مجريًا عليه تعديلات ليصبح كالآتي:

لِثورةِ الفكرِ تأريخٌ يذكّرنا

كم ألفَ ألف مسيحٍ دونَها صُلِبا

هذا بقيّة شعر العرب

بعد انتهاء الجواهري من إلقاء قصيدته، نهض طه حسين من مكانه، والتقى الجواهري بين المنصة والكرسيين اللذين يجلسان عليهما متجاورين، فخاطبه: هذا بقية شعر العرب، بل إنه استمرارية وديمومة للشعر العباسي، ومعروف أن طه حسين كان قد أثار زوبعةً من الجدل حول قراءته للشعر قبل الإسلام، أو ما يسمّى بالشعر الجاهلي، وقد صدر له كتاب بعنوان «في الشعر الجاهلي» في العام 1926، شكّك فيه بالشعر الجاهلي وقال إنه تمّ انتحاله بعد انتصار الدعوة المحمدية لأسباب دينية وسياسية وقبلية، وفي الواقع فإنه قدّم أسلوبًا نقديًا جديدًا للغة العربية وآدابها، يخالف ما هو متوارث منها، وقاد شيوخ الأزهر حملة ضدّه ، وقد اتّهم في إيمانه، وفُصل من الجامعة، حيث كان عميدًا لكليّة الآداب (1932).

شعر عربي

وبالعودة إلى اللقاء التاريخي، استمرّ طه حسين بمخاطبة الجواهري وهو يضع يده على كتفه قائلًا: «أنت أشعر العرب»، ويبدو أن عبارة شاعر العرب الأكبر أخذت تتردد وتوضع تعريفًا للجواهري تأكيدًا على ريادته للشعر العربي الكلاسيكي، والجواهري كما يقول صلاح عبد الصبور: يمثّل المرحلة الذهبية الأخيرة في الشعر العمودي الكلاسيكي، وقد سبق لسعدي يوسف أن قال: إنه الحلقة الذهبية في سلسلة الشعر العمودي، وهو الرأي الذي قال به عبد الوهاب البياتي أيضاً، وهكذا أصبحت عبارة شاعر العرب الأكبر مرادفة لاسم الجواهري منذ ذلك الوقت، وأخذت تترسّخ بالتدرّج.

 وفي لقاء خاص مع الجواهري في ثمانينيات القرن الماضي في دمشق (10 كاسيتات) نشرت بعضًا منها في كتابي «الجواهري: جدل الشعر والحياة» كما جرت الإشارة إليه، روى الجواهري لي كيف استقبل كلمات طه حسين الذي كان شديد الإعجاب به، وقال: نظرت إليه فوجدت الكثير من عناصر الشبه بينه وبين المعري «رهين المحبسين» في البصر والبصيرة والذكاء والأدب والحكمة والإبداع، فملت عليه وهمست بأذنه قائلًا: «أنت معري زماننا»، والشيء بالشيء يذكر كما يُقال، فقد أطلق الشاعر معروف الرصافي على المعري عبارة «شاعر البشر».

وفي وقت لاحق، كتب الجواهري قصيدة إلى طه حسين مؤلفة من 24 بيتًا (نشرت في جريدة الرأي العام في 13 تشرين الثاني / نوفمبر 1944)، قال فيها:

أُحَيّيكَ « طه « لا أُطيلُ بكَ السَّجْعا

كفَى السَّجع فخراً محضُ إسمك إذ تُدعى وكان الجواهري قد ألقى هذه القصيدة بحضور نخبة فكرية وثقافية وأدبية من الوفود العربية المشاركة في مهرجان المعرّي في دمشق اجتمعت على مأدبة الدكتور طه حسين، دعاه فيها إلى زيارة العراق للمكانة التي يحتلّها في نفوس مثقفيه. وبعد إلقاء هذه القصيدة، ألقى طه حسين كلمةً مؤثرةً جاء فيها: إن من البيان لسحرا، وإن الشعر لحكمة. لقد أفحمني الأستاذ الجواهري بهذا البيان الساحر الذي هو بقية البقية من التراث العربي الأدبي الصحيح. وبدعوته الكريمة إياي لزيارة العراق الذي أكنّ له في قلبي الحب والشوق، وإن كان قد قرنني بالمعرّي الذي لست ببالغ شأوه...

ثم زار الجواهري مصر مرة أخرى بدعوة من طه حسين كذلك، الذي كان وقتئذ وزيرًا للمعارف، وكتب قصيدة «إلى الشعب المصري» (شباط / فبراير 1951) ونشرت في جريدة «الأوقات البغدادية»، العدد 1، في 22 شباط 1951.

وعدد الأبيات في الأصل 169، وهي من البحر الكامل، وكانت العلاقة قد ترسخّت بين العملاقين، وحين ألقى الجواهري قصيدته اهتزّت القاعة ودوّت بالتصفيق:

يا مصر ُ تستبقُ الدهورُ وتعثـُرُ

والنيلُ يزخرُ والمِسلـّة ُ تـُزهرُ

وبَنوك ِ والتاريخُ في قصبيهـِما

يتسابقان ِ فـيُصهرون ويُصهرُ

وإذا كان المعرّي، وهو صاحب «اللزوميات»، شاعر الفلسفة وفيلسوف الشعراء، فإن كلًّا من الجواهري وطه حسين، امتلك ناصية اللغة، وحفر فيها عميقًا، فاللغة بمثابة وطن، بل إنها المفتاح للهويّة.

 واللغة هي نسق من الرموز والإشارات تُستخدم للتواصل ونقل الأفكار والمشاعر والانفعالات. وهي وسيلة إنسانية للتعبير وأداة معرفية واجتماعية ونفسية للتفاهم بين الأفراد والجماعات والشعوب بتفاعل الحضارات.

 وقد كتب طه حسين والجواهري بشفافية جارحة، فالجواهري قاد سفينته في أرخبيلات الشعر غير عابئ بما حوله، وظلّ مخلصًا لروح الشعر في شاعرية متفردة بتناقضاته وتحدّياته، رابطًا كل ذلك الجمال بخيط من حرير بالغ الرقّة والتماسك. أمّا طه حسين، الذي يجتمع مع الجواهري بالتحدّي والتناقض، فقد بدأ أزهريًا كما بدأ الجواهري حوزويًا، لكن كلاهما تأثّر بالثقافة الغربية وتمرّد على الموروث، وكان طه حسين قد كتب في العشرينيات من القرن الماضي ثلاث مؤلفات عن الشعر والفكر والنظام الأثيني، أمّا كتابه الأكثر شهرةً فهو «في الشعر الجاهلي» الذي أشرنا إليه، وهو يمثّل رؤيةً جديدةً متمرّدةً على ما هو سائد، حيث لقي هجومًا لاذعًا، واتُخذت بحقه عقوبات إدارية من جانب التيار التقليدي المحافظ.

 الجواهري وإن درس في مدرسة النجف الدينية، إلّا أنه تمرّد عليها، واستخدم الشعر سلاحًا ماضيًا يواجه فيه القوى التقليدية، التي تريد حجب التنوير والتغيير باتجاه المدنية والحداثة، ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر قصيدة «الرجعيون»، احتجاجًا على معارضة بعض «رجال الدين» افتتاح مدرسة للبنات في النجف، والتي كتبها في العام 1929، (نشرت في جريدة «العراق»، العدد 2851، في 26 آب/ أغسطس 1929، وعدد أبياتها في الأصل 40، وهي من البحر الطويل)، يقول في مطلعها:

ستَبقى طويلاً هذه الأزمات

تحكم باسمِ الدينِ كلٌّ مذمم

ومُرتكب حفّت به الشُبُهات

وما الدينُ إلاّ آلة يَشهَرونها

إلى غرضٍ يقضُونه، وأداة

 

هكذا اجتمع الجواهري وطه حسين والمعرّي تحت راية واحدة أساسها الحريّة في نقد السائد من الأفكار، وإن تحمّلوا تبعات ذلك، فالمعرّي قضى 40 عامًا رهين المحبسين (رهين البصر والمكان، لكنه كان يتمتّع ببصيرة استشرافية وقّادة)، كما كان طه حسين سابقًا عصره، على الرغم من إجباره على حذف 4 فصول من كتابه «في الشعر الجاهلي»، وتحمّله تبعات التشهير والعزل، وأمضى الجواهري عقودًا من الزمن في المنفى والغربة التي يطول فيها الزمهرير، على حدّ تعبير الشاعر مظفّر النواب، بعد مقارعته لترّهات مجتمعه.

وكان الجواهري قد زار الإسكندرية في العام 1950 في مؤتمر المثقفين العرب، وحينها أعلن طه حسين أن الجواهري هو ضيف مصر، وكان يعرف ما يجري في العراق حينها، لاسيّما بعد مقتل شقيقه جعفر في العام 1948 في التظاهرة ضدّ معاهدة بورتسموث (جبر - بيفن)، والتي هي على غرار (صدقي - بيفن)، وكلاهما أسقطا بتحرّك شعبي رافض للتبعية البريطانية، وهكذا أقام الجواهري نحو عام في القاهرة، ثمّ عاد بعدها إلى العراق.

وكان قد نظم الجواهري قصيدة بعنوان «الدم الغالي» تحية إلى مقاومة الشعب المصري في السويس والاسماعيلية للاحتلال البريطاني المتمثّل بالقواعد العسكرية (1951)، يقول فيها:

خلّ الدم الغالي يسيل ... إن المسيل هو القتيل

هذا الدم المطلول يختصر .... الطريق به الطويل

وقبل ذلك نظم قصيدة تحية لنجاح حكومة الوفد بإلغاء المعاهدة البريطانية – المصرية المبرمة في العام 1936 (1950)، وتتألف القصيدة من 162 بيتًا، يقول في مطلعها:

سر في جهادك يحتضنك لواء ... نثرت عليه قلوبها الشهداء

وإبان العدوان الثلاثي الإنكلو – فرنسي الإسرائيلي كتب الجواهري قصيدةً تضامنًا مع مقاومة بور سعيد وضدّ العدوان، مؤلفة من 52 بيتًا وقد نظمها في دمشق عام 1956، يقول فيها:

يا مَعدِنَ الخسة من تقاتلُ ... وفوق مَن تساقطُ القنابلُ؟

« كنانة الله..» اسلمي إن المُنى ... دونكِ لغوٌ.. والحياة باطلُ

وعشية العدوان الإسرائيلي في 5 حزيران / يونيو 1967 كتب الجواهري من مغتربه في براغ قصيدة عصماء فجّر فيها غضبه وهي بعنوان «الخطوب الخلّاقة»، تتألف من 80 بيتًا من البحر البسيط، يقول في مطلعها:

دعِ الطَّـوارِقَ كالأَتُّونِ تَحتَدِمُ... وخَلِّهـا كـَحَبيكِ النَّسجِ تَلتَحمُ

وخـذْ مَكانَكَ مِنها غيـرَ مُـكـتَـرِثٍ... أَهوى بكَ الموجُ أوْ عَلَّتْ بكَ القِممُ

الجواهري وعبد الناصر

أمّا عن الجواهري وعبد الناصر، فقد كتب له بعد وفاته قصيدة بعنوان «ذكرى عبد الناصر»، وكان الشاعر قد تلقّى وهو في براغ دعوة من لجنة الاحتفال بالذكرى الأولى لوفاة جمال عبد الناصر، فنظم هذه القصيدة وألقاها في الاحتفال بالقاهرة سنة 1971، ونشرتها جريدة «الأهرام» في عددها الخاص. وتتألف القصيدة من 132 بيتًا وهي من البحر الكامل.

 جدير بالذكر أن ثمة قصيدة ميمية نشرها الجواهري إثر انقلاب شباط / فبراير 1963 موجّهة إلى صديقه أمين الأعور، رئيس تحرير صحيفة المحرّر، الذي كان قد كتب مقالة مفادها سلمت يا عراق بسلامة دجلة والفرات والجواهري (النهر الثالث)، فما كان من الجواهري إلّا أن أجابه بقصيدة غاضبة بعنوان «أمين لا تغضب» (نشرتها في كتابي الموسوم «جواهر الجواهري»)، جوابًا على مقالته التضامنية، ونشرت في جريدة «النور» اللبنانية. وهي مؤلفة من 68 بيتاً من البحر السريع:

أَمينُ خلِّ الدَّمَ يَنزِفْ دمًا ... ودعْ ضِرامًا يَنبثِقْ عنْ ضِرامْ

وقصيدة «أمين لا تغضب» لم تتضمّنها الدواوين التي أصدرها الجواهري، وربما نَدِم عليها، حيث كان حينها يعيش في وضع نفسي سيء وحالة زعل أو عتب أو نقد بسبب الانقلاب الدموي في 8 شباط / فبراير 1963 في العراق، وربما وجد الفرصة المناسبة لمعالجة الموقف في قصيدته الشهيرة، والتي جاءت بعد عام على وفاة عبد الناصر، خصوصًا وأن الظروف قد تغيّرت وأن إسرائيل استهدفت مصر وقيادة عبد الناصر في عدوان الخامس من حزيران / يونيو 1967، فكتب لعبد الناصر ثناءً خالصًا ومنزهًا من الغرض، حيث يقول فيها:

أُثني عليكَ، وما الثَّناءُ عبادةٌ ... كمْ أَفسدَ المتعبِّدونَ ثناءَ

وكنت قد سألته لو لم تَقل هذه القصيدة بحق عبد الناصر، فمن يستحقها؟ قال لي: كنت أتمنى أن يقولها أحد الشعراء الكبار بحقّي. نعم أتمنّى ذلك، وكم كان متأثرًا وهو يروي لي ما حصل!!

وفي هذه القصيدة قام الجواهري وكأنه عالم نفس كبير وعالم اجتماع سياسي أيضًا، بتحليل شخصية عبد الناصر بما فيها من عناصر قوّة وشجاعة ودفاع عن الحق في ظلّ صراع دولي محتدم، دون أن ينسى الكوابح التي وقفت أمامه والأخطاء التي ارتكبها، حيث يقول فيها:

لا يَعصِمُ المجدُ الرِّجالَ، وإنَّما ... كان العظيمُ المجدَ والأخطاءَ

وإذا النُّفوس ترفَّعت لم تفتكرْ ... لا الانتقاص بها ولا الاطراءَ

لا يأبهُ البحرُ الخضمُّ روافداً ... يلقى، ولا زَبَداً يَطير غُثاء

لم يخلُ غابٌ لم يحاسَبْ عنده ... أسدٌ، بما يأتي صباحَ مساءَ

تحصى عليه العاثرات، وحسبه ... ما فات من وَثَباته الإحصاءَ

لعلّ ذلك التقييم الموضوعي للبشر في رؤية ما لهم وما عليهم، هو حكمة الزمن، حيث لم يقصّر الجواهري في نقد نفسه وتجريحها أحيانًا، فعبد الناصر الزعيم المخلّد لمصر وللحركة التحرّرية العربية، والذي حقّق منجزات كبرى، لم يكن بلا أخطاء، ولا يوجد بشر بلا أخطاء، ومن لا يعمل لا يخطأ، وقد كشفت نكسة 5 حزيران / يونيو 1967 حجم الأخطاء الفادحة والعيوب والمثالب التي أدّت إليها، ولاسيّما الانفراد بالسلطة وعدم إشاعة الحريّات، والموقف السلبي من التعدّدية والتنوّع، فالتركيز على الديمقراطية الاجتماعية لا ينبغي أن يكون بديلًا عن اعتماد الديمقراطية السياسية، ومثل تلك الأخطاء وقعت فيها الحركة الثورية العالمية والعربية برمّتها، إذْ لا يمكن مقايضة المنجزات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بالمنجزات المدنية والسياسية، التي بدونها لا يمكن الحفاظ على المنجزات الأولى، وهو ما أثبتته التجربة الاشتراكية العالمية وتجارب التحرّر الوطني.

لقد كان عبد الناصر حالمًا كبيرًا، وعاش لأحلامه وضحّى من أجلها، على الرغم من التحدّيات التي واجهها لإقامة مجتمع الكفاية والعدل، وهو ما خاطبه الجواهري بقوله:

أسفًا عليكَ، فلا الفقيرَ كفيْتَهُ ... بُؤسًا، ولا طُلتَ الغَنِيَّ كِفاءَ

وكانت آخر زيارة للجواهري إلى مصر في العام 1992 بمناسبة مرور 100 عام على صدور مجلّة الهلال. وكم ظلّ يرددّ: كنت أتمنّى أن أعيش في مصر. وقد نظم قصيدةً بعنوان «يا هلال الفكر»، ألقاها في دار الأوبرا المصرية بالقاهرة خلال الندوة التي أقيمت له ضمن فعاليات الاحتفال بمئوية الهلال، وتتألف من 58 بيتًا من البحر الرمل، حيث يقول فيها:

يا «هلال الفكر» في العيد السعيدِ ... هكذا ظل وضيئاً الفُ عيد ِ

نشرت في مجلة الإيسيسكو (الرباط)، العدد 6، نيسان / أبريل 2026.

أكاديمي ومفكر


مشاهدات 42
الكاتب عبد الحسين شعبان
أضيف 2026/05/03 - 3:32 PM
آخر تحديث 2026/05/04 - 2:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 146 الشهر 2911 الكلي 15248105
الوقت الآن
الإثنين 2026/5/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير