الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الصواريخ أم السلام؟.. أيُّهما أَجدرُ بالفخر

بواسطة azzaman

الصواريخ أم السلام؟.. أيُّهما أَجدرُ بالفخر

بارزان الشيخ عثمان

 

في خطابها الرسمي، تُكثِر إيران من إبراز تفوقها الدفاعي وقدراتها العسكرية بوصفها عنوانًا للسيادة والردع.

و احدث هذه النعرات  كانت تصريحات المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية حيث قال ان  قواتنا العسكرية هي الأقوى مقارنةً مع  في اي وقتٍ مضى ، و ان امريكا تبحث عن سبيلٍ لحفظ ماء وجه (كذا). لكن في الوقت نفسه  اكد الرئيس الإيراني بزيشكيان ان بلاده تعني من نقص الكهرباء بسبب تدمير البنى التحتية للطاقة .

 أن سؤالًا بسيطًا، لكنه حاسم، يفرض نفسه: هل الفخر الحقيقي في عالم اليوم يُقاس بعدد الصواريخ، أم بقدرة الدولة على تأمين حياة كريمة ومستقرة لمواطنيها؟

منذ الثورة الإسلامية الإيرانية 1979، اختارت طهران مسارًا يجمع بين الأيديولوجيا والطموح الجيوسياسي. ومع تعاقب الأزمات، تعزّز هذا المسار بمنطق “الردع أولًا”. لكن بعد أكثر من أربعة عقود، تبدو كلفة هذا الخيار واضحة في الداخل: اقتصاد مُثقل بالعقوبات، ضغوط معيشية متزايدة، وشباب يتطلّع إلى فرص أوسع من تلك التي يتيحها اقتصاد محاصر.

لا يمكن إنكار أن التوتر مع الولايات المتحدة الأمريكية لعب دورًا مركزيًا في تشكيل هذه السياسات، خصوصًا بعد تعثر الاتفاق النووي الإيراني 2015. كما أن بيئة إقليمية مضطربة دفعت إيران إلى توسيع نفوذها في العراق ولبنان واليمن، باعتبار ذلك عمقًا استراتيجيًا لا غنى عنه. لكن، حتى لو سُلِّم بهذا المنطق، يبقى السؤال: إلى أي حد يخدم هذا التمدد حياة المواطن الإيراني اليومية؟

الافتخار بالقوة العسكرية مفهوم في سياقات التهديد، لكنه لا ينبغي أن يتحوّل إلى غاية بحد ذاته. الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على الردع، بل بقدرتها على الازدهار. والازدهار لا يُبنى بالصواريخ، بل بالاستثمار، والتعليم، والانفتاح، وبثقة المواطن في أن مستقبله داخل بلده أفضل من خارجه.

هنا تبرز المفارقة: المبادرات السلمية—رغم ما تتطلبه من شجاعة سياسية—قد تكون أكثر ربحًا وأعمق أثرًا من أي استعراض عسكري. اتفاقٌ جاد مع الولايات المتحدة الأمريكية، أو حتى مسار تهدئة تدريجي، يمكن أن يفتح الباب أمام تخفيف العقوبات، وعودة الاستثمارات، وتحسين العملة، وتوفير وظائف حقيقية. أليس هذا إنجازًا يستحق الفخر؟

ندوب عميقة

المشكلة ليست في غياب الخيارات، بل في تردّد الإرادة. صحيح أن انعدام الثقة متبادل، وأن التجارب السابقة تركت ندوبًا عميقة، لكن التاريخ يثبت أن التحولات الكبرى تبدأ بقرار: نقل مركز الثقل من منطق الصراع إلى منطق التسوية. ولا يعني ذلك التخلي عن السيادة، بل إعادة تعريفها بحيث تشمل رفاه المواطن، لا مجرد صلابة الدولة.

إن أعظم ما يمكن أن تفتخر به دولة في القرن الحادي والعشرين ليس قدرتها على خوض الحروب، بل قدرتها على تجنّبها. وليس عدد الأسلحة التي تملكها، بل عدد الفرص التي توفّرها لشعبها. من هذا المنظور، قد يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن يُطرح داخل إيران اليوم هو: ماذا نريد أن نورّث للأجيال القادمة—ترسانة عسكرية، أم اقتصادًا مزدهرًا ومجتمعًا مستقرًا؟

حين تصبح مبادرات السلام مصدر فخر وطني، عندها فقط  يمكن للدولة أن تعيد توجيه طاقاتها من استنزافٍ دائم إلى بناءٍ مستدام. فالقوة الحقيقية لا تكمن في امتلاك أدوات الردع فحسب، بل في القدرة على خلق بيئة تتيح للإنسان أن يعيش بكرامة، ويخطط لمستقبله بثقة، ويشعر بأن انتماءه لوطنه يمنحه فرصًا لا قيودًا.

إن التحول نحو السلام لا يعني السذاجة أو التفريط بالمصالح، بل هو خيار استراتيجي يتطلب حسابات دقيقة وشجاعة سياسية. فالدول التي نجحت في إعادة تعريف أولوياتها لم تفقد سيادتها، بل عززتها عبر اقتصاد قوي، ومؤسسات مستقرة، وعلاقات دولية متوازنة. وفي عالم مترابط، لم يعد ممكناً فصل الأمن عن التنمية، ولا السيادة عن رفاه المواطن.

قد لا يكون الطريق سهلاً، وقد تعترضه عقبات داخلية وخارجية، لكن البديل—أي الاستمرار في دوامة التصعيد—يحمل كلفة أعلى على المدى الطويل. وبين صواريخ تُطلق في لحظات، وفرص تُبنى عبر سنوات، يبقى الرهان الأذكى هو ذاك الذي يستثمر في الإنسان أولاً.في النهاية، الفخر الذي يدوم ليس ذاك المرتبط بالخوف الذي تفرضه القوة، بل بالثقة التي يصنعها الاستقرار. وعندما يصبح المواطن هو معيار النجاح، لا مجرد أداة في معادلات الصراع، يمكن حينها القول إن الدولة اختارت الطريق الأصعب، لكنه الأجدر: طريق السلام.


مشاهدات 159
الكاتب بارزان الشيخ عثمان
أضيف 2026/04/26 - 2:48 PM
آخر تحديث 2026/04/30 - 1:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 106 الشهر 26383 الكلي 15244456
الوقت الآن
الخميس 2026/4/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير