وهم المناهج العالمية
محمد الربيعي
طرح البعض مؤخرا، في معرض ردهم على ما يثار في الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي حول تراجع المستوى المعرفي للطبيب او المهندس، ادعاء بان المناهج العراقية لا تختلف في جوهرها عن مناهج اوكسفورد والجامعات العالمية.
يستند هذا الدفاع عن جودة التعليم الى وحدة المعرفة العلمية، فقوانين الفيزياء ومعادلات الاقتصاد ومبادئ الطب لا تتغير بتغير الجغرافيا او الحدود، مما يوحي بان المادة العلمية المقدمة للطالب هي ذاتها في كل مكان.
لكن هذا الطرح، رغم صحته الظاهرية، يضعنا امام تساؤل جوهري يفرض نفسه على طاولة النقاش: هل يكفي ان نحاكي «عناوين الكتب» و»مفردات المواد» لنقول اننا استوطنا قمة الهرم التعليمي؟ وما الذي يجعل خريج الجامعات العالمية يتصدر المشهد الابتكاري بينما نجد فجوة شاسعة تلاحق خريجنا؟
ان الجوهر الحقيقي للخلل يكمن في «فخ الاختزال»، حيث يتم حصر العملية التعليمية في كمية المعلومات المستظهرة والموسوعية المعرفية، مع تجاهل تام لمهارات التفكير والنقد التي تحول العلم الى ممارسة.
جامعات عالمية
فالعبرة الحقيقية في فلسفة التعليم العالي لم تكن يوما في «ماذا ندرس» كعناوين ومحتوى، بل في «كيف ندرس» ولأي غاية؟ وهنا تنفتح باب الاسئلة الصعبة حول دور الاستاذ والطالب على حد سواء في العملية التعليمية.
فبينما تتبنى الجامعات العالمية المرموقة فلسفة «التعلم القائم على المشكلات» والبحث النقدي حيث يكون الاستاذ ميسرا، تظل انظمتنا التقليدية اسيرة التلقين المنهجي الذي يحول القاعات الدراسية الى محطات لتفريغ المعلومات.
هذا الاسلوب يجعل الطالب وعاء يملا بمعارف تتبخر بمجرد انتهاء ساعات الامتحان الضيقة، بدلا من ان تكون ادوات تحليلية تبقى معه طوال مسيرته المهنية لتساعده على مواجهة تحديات العمل.
ويمتد هذا التباين ليتجلى في مدى ملامسة المنهج للواقع التطبيقي، فالجامعات المتميزة عالميا لا تدرس النظرية في معزل عن تحديات الصناعة والزراعة والطب والمجتمع، بل تجعل من مختبراتها انعكاسا حيا لمشكلات حقيقية.
في المقابل، تكتفي الانظمة التقليدية بسجن الطالب في اطار نظري جامد يفصله عن الواقع، مما يولد تساؤلا حول نوعية المخرج التعليمي: هل نحن بصدد تخريج موظف مبرمج على تنفيذ المهام، ام مفكر ريادي يملك الجراة على طرح الاسئلة؟
ان الفارق الحقيقي والمفصلي لا يصنعه المنهج الورقي المكتوب، بل المساحة الذهنية التي تمنح للطالب، فبينما تحفز المناهج المتقدمة على الخطا والتجربة، تظل المناهج التقليدية تحاصره بتقييمات صماء تقتل فيه روح المبادرة.
وفي نهاية المطاف، قد تنجح جميع الجامعات في تزويد الطالب بالخريطة المعرفية ذاتها، لكن شتان بين جامعة تترك طالبها تائها فوق حدود الورق، وجامعة تعلمه كيف يخطو بثبات في وعورة الطريق، محولة المعلومات الى ادوات تفكير تصنع الحلول.