الجهل ذو البعد الثلاثي
حين لا يكون الجهل نقصًا… بل اختياراً
عباس النوري
لم يعد الجهل في زمننا مجرد فراغ في المعرفة يمكن ملؤه بالقراءة أو النقاش، ولم يعد ذلك الجهل البسيط الذي يدرك صاحبه أنه لا يعلم فيسعى إلى التعلم، ولا حتى الجهل المركب الذي تحدث عنه أهل المنطق بوصفه جهلًا بالواقع وجهلًا بالجهل ذاته، بل إن ما يظهر في كثير من الحوارات المعاصرة—خصوصًا تلك التي تتدفق بلا ضوابط عبر المنصات المفتوحة—يوحي بأننا أمام نمط آخر أكثر تعقيدًا، نمط لا يمكن تفسيره فقط بنقص المعرفة، ولا يمكن اختزاله في سوء الفهم، بل يتجاوز ذلك إلى حالة يصبح فيها الجهل موقفًا، بل أداة.
ومن خلال متابعة نقاشات متعددة، بعضها يمتد لساعات، وبعضها يتكرر يوميًا مع اختلاف الأشخاص وبقاء النمط ذاته، يتكشف لي أن هناك من لا يجهل فقط، ولا يخطئ فقط، بل يدرك—ولو بشكل ضمني—حدود معرفته، ومع ذلك لا يتوقف عندها، ولا يحاول تجاوزها، بل يعيد إنتاجها، ويعرضها بثقة، ويدافع عنها بإصرار، بل ويمنحها غطاءً من اللغة، أو من الانتماء، أو من الاستشهاد، حتى تبدو وكأنها حقيقة مكتملة، لا مجرد رأي قابل للنقاش.
وهنا تحديدًا، يظهر ما يمكن أن أسميه—على سبيل المحاولة لا القطع—
الجهل ذو البعد الثلاثي.
جهل لا يكتفي بكونه نقصًا،
ولا يقف عند كونه التباسًا،
بل يتحول إلى ممارسة واعية—أو شبه واعية—تُدار وتُوظّف.
فصاحب هذا النمط لا يناقش ليصل إلى نتيجة،
ولا يسأل ليقترب من فهم،
بل يطرح ليُثبت، ويُجادل ليبقى، ويعيد الفكرة لا لأنها صائبة، بل لأنها تمثّله.
وقد يلفت الانتباه أن هذا النوع من الجهل لا يعمل منفردًا، بل يجد بيئة حاضنة، تتشكل من التكرار، والتأييد المتبادل، والقدرة على جذب من يشبهه في المنهج قبل الفكرة، فيتحول الخطأ من حالة فردية إلى ظاهرة، ومن رأي محدود إلى خطاب يُعاد إنتاجه، حتى يصل إلى مرحلة يصبح فيها التشكيك فيه نوعًا من الخروج عن “المألوف”.
وهنا يبرز سؤال لا يتعلق بصحة الفكرة بقدر ما يتعلق بطبيعة التعامل معها:
هل المشكلة في الفكرة نفسها؟
أم في الإصرار عليها رغم إدراك ضعفها؟
أم في البيئة التي تسمح لها بالانتشار دون مساءلة؟
إن أخطر ما في هذا النمط—كما يبدو لي من خلال التجربة—ليس أنه يقدّم معلومات خاطئة، فذلك يمكن تفكيكه، بل أنه يعيد تشكيل طريقة النقاش ذاتها، بحيث يصبح الهدف ليس الوصول إلى الحقيقة، بل تثبيت الموقف، وليس البحث عن الصواب، بل إدارة الانطباع.
ومن هنا، فإن مواجهة هذا النوع من الجهل لا يمكن أن تكون فقط بإضافة معلومات، لأن المشكلة ليست في الفراغ، بل في الطريقة التي يُدار بها هذا الفراغ، ولا في غياب المعرفة فقط، بل في غياب الرغبة في مراجعتها.
وهذا ما يدفع إلى إعادة النظر في كثير من المسلّمات، وفي طريقة تعاملنا مع الحوار، ومع الاختلاف، ومع مفهوم “المعرفة” نفسه.
فهل ما نواجهه هو جهل فعلاً؟
أم نمط جديد يتخفّى في صورة الجهل… لكنه يعمل بوظيفة مختلفة؟
هذا السؤال—وغيره—يشكّل جزءًا من محاولة أوسع أعمل عليها ضمن مشروع فكري في كتاب بعنوان:
"الهندسة الخفية للوعي"
(قيد الطباعة والنشر)
محاولة لا تزعم الإحاطة،
ولا تدّعي امتلاك الإجابة،
بل تسعى إلى فتح باب السؤال… على اتساعه.