الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ما بين الجد وحفيده؟

بواسطة azzaman

نقطة ضوء

ما بين الجد وحفيده؟

محمد صاحب سلطان

 

بدعوة من صديق قديم مغترب، رغب لقائي عند زيارته الأخيرة لمدينتي، وبعد التي واللتيا والنبش في دهاليز الذاكرة، عن أيام شباب غادر ربيعه منذ عقود، قال: منذ سفري المرغم على ولوجه من أجل لقمة العيش والدراسة بطموح لنيل أعلى الشهادات ، تهجرت، ولو كنت أعرف أن التفاهة ستتفوق على النبوغ، لما درست وتعبت وسهرت الليالي وحرمت نفسي من أشياء كان يتعامل بها جيلي، متمسكا بما تعلمناه، من أن الصعود إلى قمة الجبل، يتطلب الإنحناء، وها أنا أنحني لكن لا إنحناءة ذل، بل إنحناءة تعب، وعمر سرق منا من دون أن نتحسب لعواديه، موليا ظهري المحدودب لما يجري، محدقا صوب ما تبقى من خريطة العمر الفاني، وها أنا أسمع كل يوم، أيقونة الكبير حسين نعمة (بين علينا الكبر والحيل راح الحيل، بالغربة ضاع العمر ومساهر وي الليل.. لا هلي ولا صحبتي ظليت أنا بغربتي، حگي من أصب دمعتي وأصرخ وأصيح الويل)!..

وأنت تعرف يا صديقي، هذا الوجه الذي صفعته الحروب والحصارات، أكثر مما يصفع الخباز رغيفه!، وهذه التجاعيد العميقة المتشابكة التي تراها ما بين رأسي الأشيب ورقبتي، مثل أخاديد شبكة توزيع المياه، هي خلاصة ما حصلت عليه من محطات العمر التي كانت تتقاذفني بين جنباتها، بعيدا عن الأهل والأبناء والأحفاد.. ثم سألني فجأة ، هل تموت المشاعر بسبب التقادم وطول الغياب؟ وهل تتشظى الأواصر الإجتماعية بين أفراد العائلة الواحدة؟ بل هل تتقطع أوصال المحبة والمودة بين الأب وأبنائه وأحفاده، ولاسيما أولئك الذين لم يراهم سوى بالصور وفديوهات المناسبات الخاصة، فيضحك لفرحهم ويتلوى لوجعهم، فألتمست من محدثي التوضيح، حتى أفهم ما الذي يروم الحديث عنه؟ قال: القصة وما فيها، هي إنني حنيت لوجه لم يرني من قبل، وإلى صوت أسمعه أول مرة، وإلى ملامح تشبهني (نفس الخشة والنونة) وما شابه ذلك!، من أحفادي وأبناء أقاربي، ولكن للأسف ، يمرون بي اليوم في الطريق، وجها لوجه وكتفا بكتف، فيديرون بصرهم عني؟!، لايبالون بي وبلهفتي، وأنا لم تعد لي طاقة على الجدل والمناقشة والعتاب مع تلك العوائل التي ربتهم خلافا لما تربينا، فما الذي جرى بإخلاقنا ونسيجنا المجتمعي بعد أن غزت مدارس التربية الغربية بيوتنا، وتحولنا من عناصر محبة جامعة إلى فتات رمل متشظي، جراء تلك الأجهزة اللعينة التي قلبت النهار ليل، والليل الى نهار ، وتركت الواحد منا يعيش بعزلة ما بعدها عزلة، في عوالم إفتراضية بمغذيات نسفت العقول وجففت حقول الحنان والمودة، وبتنا نسمع أشياءا غريبة عن أحداث تدمي القلوب، فلقد تغيرت الأفكار والسلوكيات كثيرا، تصور يا أخي، العالم بفضل تلك التكنلوجيا الإتصالية طور حياته، فيما نحن عكس ذلك، لتمسكنا بالقشور وتركنا الجوهر، إعتمدنا على المظاهر التي سلخت القيم وغيرت النفوس، وأضعفت العلاقات الإجتماعية الحقيقية، وتحول إستخدامها المنحرف إلى سلوك إدماني أثر على كل شئ جميل، إبتداءا من جعل العقل أقل قدرة على التركيز، مما أفقده مهارة التفكير العميق، مع نشر السلوكيات التي تأخذ من الشائعات غذائها، ومن خطاب الكراهية طريقا لها، حتى بات الشباب يعيشون حالات الإحباط والشعور بالنقص واللآمبالاة ، كونهم نسوا فائدتها التي تعتمد على كيفية إستخدامها، فتحولت الصداقة الحقيقية إلى مجرد أرقام، وتراجعت خصوصية الناس، وها أنا اليوم أضع قدمي على قبر البعد، وأقول له بصوت تخنقه الدموع، نحن ضحايا الشتات، نريد اللقاء بمن نحب، كي أقول لحفيدي الذي لم تره عيني ولم تحمله يداي من قبل، تعال ياصغيري، فلقد إحدودب ظهري وضعف بصري، فلا تبتعد عني، وأريدك أن تأخذ بيدي وتساعدني في الجلوس والنهوض، وتكون سميري في الشتاء والصيف وما تبقى من العمر، فلا تهجرني، وعندها سأضحك من أعماق قلبي، وحتى تطق خاصرتي كرضيع تداعبه أصابع أمه!!. والسلام.

 

 


مشاهدات 54
الكاتب محمد صاحب سلطان
أضيف 2026/04/11 - 2:18 AM
آخر تحديث 2026/04/11 - 4:28 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 163 الشهر 8618 الكلي 15226691
الوقت الآن
السبت 2026/4/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير