الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من المستفيد من صناعة التطرف؟

بواسطة azzaman

من المستفيد من صناعة التطرف؟

محمد حمزة الجبوري

 

 الإرهاب لا يولد في لحظة ولا يسقط من السماء كحادثة عابرة؛ بل يبدأ دائماً بفكرة صغيرة  فكرة متطرفة تنمو بصمت داخل رأس مغلق ثم تتحول مع الوقت إلى يقين أعمى؛ وعندما يتحول اليقين إلى تعصّب  يصبح العنف عند صاحبه خياراً مشروعاً، بل واجباً يعتقد أنه يؤديه باسم الحقيقة؛ المشكلة أن التطرف العنيف لا يكتفي بأن يضلل صاحبه، بل يحوله إلى أداة؛ أداة لا ترى العالم إلا بلونين (أبيض مطلق وأسود مطلق) في هذا المنطق لا مكان للعقل ولا مساحة للاختلاف، لأن المختلف يصبح عدواً، والعدو في قاموس التطرف لا يناقش بل يلغى؛ هكذا يبدأ الطريق إلى الإرهاب «كلمة مشبعة بالكراهية، خطاب يزرع الشك في الآخر، ثم عقل يقتنع أن العنف هو اللغة الوحيدة القادرة على فرض الحقيقة». عند تلك اللحظة تتحول الفكرة إلى بندقية ويتحول صاحبها من إنسان يفكر إلى مشروع قنبلة يمشي على قدمين؛ الإرهاب في جوهره ليس مجرد تفجير أو رصاصة طائشة، بل هو انهيار كامل في» منظومة التفكير»؛ حين يقتنع الإنسان أن قتل الأبرياء طريق إلى الخلاص، فذلك يعني أن الفكرة التي يحملها لم تعد فكرة، بل مرضاً يفتك بالعقل قبل أن يفتك بالناس؛ ولهذا فإن مواجهة الإرهاب لا تبدأ من فوهة البندقية فقط، بل من مواجهة التطرف الذي يصنعه؛ فكل إرهابي في النهاية هو ابن فكرة متوحشة، وكل رصاصة أُطلقت في وجه الحياة سبقها خطاب طويل يبرر الموت ويدافع عن مبتغاه ايمانا منه انه يصنع عدلا ؛ لعمري ان الوجع تفشى والجرائم بدت تخرج من رحم عقول مفخخة؛ الحقيقة التي يجب أن تقال بلا تردد هي أن التطرف العنيف ليس مجرد رأي متشدد، بل مصنع مفتوح لإنتاج الإرهاب؛ ومن يتسامح مع الفكرة المتطرفة اليوم قد يجد نفسه غداً واقفاً أمام فوهة سلاح خرجت من  بطن  تلك الفكرة نفسها؛ عظمة النفس الانسانية في قدرتها  علىٰ الاعتدال لا علىٰ التجاوز كما يشير لذلك الفيلسوف الفرنسي (باسكال)؛ لذلك فأن المعركة الحقيقية ليست امنية بل فكرية بأمتياز؛ معركة استعادة العقل من قبضة التطرف؛ المشكل ان المجتمع أحياناً يترك الأفكار المتطرفة تنمو بلا مواجهة أرض مدججة بالألغام يكفي ان تخطو خطوة واحدة حتى يتفجر الجميع؛ حريا بحماة الدولة مواجهة ثقافة التطرف مواجهة قاسية والحد من خطاب الكراهية وتبرير الدم؛ تكمن الخطورة الحقيقية حين تتحول الأيديولوجيا الى سلاح ويصبح القتل لغة سياسية او دينية او اجتماعية؛ بمعنى ان مواجهة الارهاب لا تبدا  من ملاحقة حملة السلاح الخارجين عن القانون بل بتفكيك المنظومة الفكرية التي صنعتهم.

 


مشاهدات 87
الكاتب محمد حمزة الجبوري
أضيف 2026/03/16 - 11:04 PM
آخر تحديث 2026/03/17 - 12:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 48 الشهر 14008 الكلي 15006077
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير