بين الدعوى وأداة الضمان.. إشكالية الصكوك بدون رصيد
سلوان البدراني
مقدمة
تُعدّ جريمة إصدار الصك من دون رصيد من أكثر الجرائم التصاقاً بالحياة الاقتصادية اليومية، وأكثرها إثارة للجدل الفقهي والقضائي في آنٍ واحد. فهي جريمة تقف عند تقاطع القانون التجاري والقانون الجنائي، وتمسّ بصورة مباشرة الثقة العامة التي يقوم عليها الائتمان المالي في المجتمع. ومن واقع الممارسة العملية أمام محاكم التحقيق والجنح في العراق، تتكرر ذات الوقائع وذات الدفوع، لكن النص القانوني يبقى حاسماً في تجريم الفعل متى توافرت أركانه.
تمهيد – الصك كأداة وفاء وأساس الثقة الاقتصادية:
حيث لم يعد الصك مجرد محرر تجاري تقليدي، بل أصبح أحد الأعمدة الأساسية في المعاملات المالية الحديثة، لما يمثله من بديل آمن للنقد، يحقق السرعة في التداول ويخفف مخاطر حمل الأموال. وقد نظّم المشرّع العراقي أحكام الصك في قانون التجارة العراقي رقم 30 لسنة 1984، في حين أضفى عليه الحماية الجزائية في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، ولا سيما في المادة (459) منه. وتنبع خطورة جريمة إعطاء الصك بدون رصيد من كونها لا تمس مصلحة فردية فحسب، بل تضرب الثقة العامة في الائتمان التجاري، وتهدد استقرار السوق، وتمس سلامة النظام المصرفي بأكمله. وقد اختلفت التشريعات بمعالجتها لهذه الجريمة ، وابتداء لم ينص عليها القانون باعتبارها فعلا محرما ولكن بعد مرور فترة من الزمن فان بعض التشريعات قد نصت على تجريمها ووضع العقوبة المناسبة لها وذلك في حالة تحقق احد الصور الركن المادي وهناك بعض التشريعات من استوجب قصدا عاما لهذه الجريمة ولكن هناك تشريعات أخرى استوجبت إضافة إلى القصد العام وجود قصد خاص لدى المتهم بتوفر النية السيئة عند إعطاءه الصك للحصول على مال الغير بطرق احتيالية وهي تحرير الصك موهما إياه بان لديه رصيد بالمصرف وكان من ضمن التشريعات التي أخذت بالرأي الأخير قانون العقوبات العراقي النافذ المرقم 111 لسنة 1969 في المادة 459 منه.
صك ناقص
كما إن المحاكم أيضا قد اختلفت في النظر لهذه الجريمة حيث اعتبرت إن الصك الذي نقصت احد شروطه الشكلية أو تخلف احد شروطه الموضوعية صكا ناقصا أو باطلا وبالتالي فلا عقوبة عليه ، ومحاكم أخرى اعتبرته جريمة احتيال ، وأخرى اعتبرت الصك أداة ضمان وذلك لعدم إمكان اعتباره ورقة تجارية ، كما إن هناك محاكم اعتبرت الصك أداة واجبة الدفع بمجرد الاطلاع سواء توفرت فيه كافة شروطه الموضوعية والشكلية أم لم تتوفر باعتبار إن ذلك يخل بالثقة التي أودعها المشرع في الصك باعتباره أداة وفاء تقوم مقام النقود.
يقول القاضي خضير كاظم رسن نائب رئيس محكمة استئناف بغداد / الرصافة انه لم ينص قانون التجارة النافذ رقم 30 لسنة 1984 على تعريف محدد للصك أو الشيك , ولكن هناك تعريفات متقاربة أجمع عليها فقهاء القانون من حيث المضمون ومنها ” انه عبارة عن محرر منظم وفق شروط نص عليها القانون بموجبه يأمر الساحب شخصاً مسحوباً عليه بأن يدفع مبلغ معين لشخص ثالث أو لحامله – المستفيد ” ، كذلك عُرّف بأنه “ورقة شكلية يصدر فيها شخص – الساحب – امرأ إلى بنك بأداء مبلغ معين بمجرد الاطلاع عليها أو إلى شخص مسمى أو لأمره أو إلى حامل الورقة ” .
وهنا في هذاالمقال سيتم احاطة القارئ ببعض المعلومات عن الصك كمفهوم وماهو عقوبة اصدار صك بدون رصيد اضافة الى اثار ذلك على الجتمع ، وكما يلي: -
أولاً: الصك بين المفهوم التجاري والحماية الجزائية
لم يضع قانون التجارة العراقي رقم 30 لسنة 1984 تعريفاً حصرياً للصك، إلا أن الفقه استقر على اعتباره محرراً مكتوباً وفق شروط قانونية يتضمن أمراً صادراً من الساحب إلى المسحوب عليه (وغالباً ما يكون مصرفاً) بدفع مبلغ معين من النقود بمجرد الاطلاع إلى المستفيد أو لحامله.
وتنص المادة (138) من قانون التجارة على البيانات الإلزامية للصك، ومن أبرزها:
ذكر كلمة «صك» في متن المحرر.
أمر غير معلق على شرط بأداء مبلغ معين من النقود.
اسم المسحوب عليه.
مكان الأداء.
تاريخ ومكان الإنشاء.
اسم وتوقيع الساحب.
كما يشترط توافر الأهلية القانونية، وصحة الرضا، ومشروعية السبب، وأن يكون المبلغ محدداً من النقود. ويترتب على تخلف بعض هذه الشروط بطلان الصك تجارياً، غير أن الإشكال يظهر حين ننتقل من نطاق البطلان المدني إلى نطاق المسؤولية الجزائية
ثانياً: الأساس القانوني لتجريم إصدار صك بلا رصيد
نظم قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 في المادة (459) جريمة إعطاء صك بدون رصيد، فنص على معاقبة من أعطى بسوء نية صكاً وهو يعلم بعدم وجود مقابل وفاء كافٍ قائم وقابل للتصرف فيه، أو استرد المقابل بعد إصداره، أو أمر المسحوب عليه بعدم الدفع، أو تعمد تحريره أو توقيعه بصورة تمنع من صرفه.
تطبيق عقوبة
وتنص المادة (459) في صيغتها النافذة على:
الحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات.
غرامة تعادل خمسة أضعاف مبلغ الصك على ألا تقل عن حد أدنى قانوني.
وتطبق العقوبة ذاتها على من ظهر الصك أو سلمه وهو يعلم بعدم كفاية الرصيد.
أما إذا كان الفعل يتصل بتزوير الصك أو استخدام صك مسروق، فإن الوصف الجرمي ينتقل إلى أحكام التزوير المنصوص عليها في المادة (295) من قانون العقوبات، وتكون الجريمة جناية تصل عقوبتها إلى السجن لمدة قد تبلغ سبع سنوات.
ثالثاً: أركان الجريمة
الركن المادي: يتحقق بفعل إعطاء الصك، أي نقل حيازته من الساحب إلى المستفيد بإرادته، مع توافر إحدى الصور التالية:
عدم وجود رصيد أصلاً.
عدم كفاية الرصيد.
استرداد مقابل الوفاء بعد الإصدار.
إصدار أمر بعدم الدفع.
تعمد تحرير الصك بصورة تمنع صرفه.
الركن المعنوي: وهو القصد الجنائي، أي علم الساحب وقت الإصدار بعدم وجود الرصيد أو بعدم كفايته، وهو ما عبّر عنه النص بعبارة «بسوء نية».
ومن المهم التأكيد أن الجريمة تتحقق بمجرد تسليم الصك، ولا يشترط تقديمه للمصرف ورفضه، لأن العبرة بقيام الخطر على الثقة العامة لا بتحقق الضرر الفعلي.
رابعاً: أثر الصكوك غير المغطاة على الاقتصاد والمجتمع
إن خطورة الصك بلا رصيد لا تكمن في مجرد إخلال بعلاقة فردية بين ساحب ومستفيد، بل في زعزعة الثقة في أداة وفاء تقوم مقام النقود. فالصك في فلسفة التشريع الحديث هو «نقد مكتوب»، وأي تساهل في حمايته يؤدي إلى:
إضعاف الثقة في التعاملات التجارية.
عزوف التجار عن قبول الصكوك.
زيادة الاعتماد على النقد الورقي بما يحمله من مخاطر أمنية.
تعطيل الائتمان قصير الأجل.
إرهاق القضاء بآلاف الدعاوى الجزائية سنوياً.
وقد شهد العراق، لاسيما خلال عقد التسعينات وأعوام ما بعد 2003، ارتفاعاً ملحوظاً في قضايا الصكوك نتيجة الظروف الاقتصادية والتضخم وضعف الضبط المصرفي، مما استدعى تشديد العقوبات وتفعيل النصوص الجزائية.
خامساً: الدفع الشائع بعدم المسؤولية وحقيقته القانونية
من الدفوع المتكررة أمام المحاكم قول المتهم إن المشتكي كان يعلم بعدم وجود رصيد. وهذه الحجة لا تنتج أثراً قانونياً، لأن المادة (459) لم تربط الجريمة بعلم المستفيد، بل بعلم الساحب نفسه. فالحماية هنا ليست لشخص بعينه، وإنما للنظام المالي برمته.
فلو اعتدّ القــــانون بالاتفاقات الشخصية لتحول الصك إلى أداة ضمان أو وعد بالدفع، وفقد صفته كأداة وفاء فوري، وهو ما يتعارض مع فلســــــفة التشـــــــريع التجــــــــــاري.
سادساً: التكييف بين الجنحة والجناية
إذا كان الصك صحيحاً من حيث الشكل لكنه بلا رصيد: تكون الجريمة جنحة وفق المادة (459)
إذا كان الصك مزوراً أو مسروقاً: تكــون الجريمة جناية وفق المادة (295)
إذا تخلفت الشروط الشكلية الجوهرية بحيث فقد المحرر صفته كصك: قد تنتفي الجريمة الخاصة ويصار إلى تكييف آخر بحسب الوقائع.
سابعاً: التحديات العملية في العراق: من خلال التطبيق القضائي، تبرز عدة إشكالات:
انتشار استعمال الصك كأداة ضمان مؤجلة خلافاً لطبيعته القانونية.
ضعف الثقافة القانونية لدى المتعاملين.
بطء الإجراءات أحياناً في التحقق من صحة التوقيع أو الرصيد.
استغلال بعض الحالات الاحتيالية لصكوك مسروقة أو مزورة.
ثامناً: مقترحات لمعالجة الظاهرة في العراق
التحول إلى الصك الإلكتروني
اعتماد نظام صكوك إلكترونية مرتبطة مباشرة بقاعدة بيانات مصرفية فورية، بحيث يتم التحقق من الرصيد عند الإصدار، مما يمنع عملياً تحرير صك بلا مقابل وفاء.
إنشاء قاعدة بيانات مركزية
بإشراف البنك المركزي العراقي، تتضمن أسماء المحكومين في جرائم الصكوك، وتُتاح للمصارف قبل فتح حسابات جديدة.
تعزيز دور المصارف
اشتراط حد أدنى من الرصيد قبل إصدار دفاتر الصكوك، وربطها بسقف ائتماني محدد.
إعادة النظر في السياسة العقابية
دراسة إمكانية الجمع بين العقوبة السالبة للحريــــــة والعقوبــــــات المالية الرادعة التي تضمن تعويض المتضرر سريعاً، مع تشجيع التسوية قبل صدور الحكم القطعي.