الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السردية بين خطاب الشك وخطاب اليقين


السردية بين خطاب الشك وخطاب اليقين

إبراهيم البهرزي

 

أعترف أنني، مثل كثيرين، توقفت عند مفردة (السردية) وهي تتسلل إلى كل شيء من حولي: نشرات الأخبار، المقالات السياسية،  بل وحتى النقاشات اليومية.

فقد بدت لي في البداية ككلمة غريبة، أو على الأقل متكلفة، وكأنها دخيلة على بساطة العربية التي اعتدناها، لكن مع تكرارها، بدأت أتساءل: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الكثافة؟

أظن أن السبب الأول يعود إلى تغيّر طبيعة الخطاب نفسه

فقد أصبحنا نناقش طريقة عرض الحكايات بدلا من نقلها. ولم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل: كيف يُروى ما حدث؟ ومن يملك الحق في روايته؟ هنا بالضبط ظهرت الحاجة إلى كلمة تتجاوز مفردات القصة، والرواية، والحكاية، التي كنا نستخدمها لكي تشير إلى بناء كامل من المعاني، وإلى زاوية نظر، وإلى نية مضمرة خلف ترتيب الأحداث. فكانت (السردية).

 

اما السبب الثاني، في تقديري، فهو التأثر العميق بالترجمة.

فنحن نعيش زمناً تُنقل فيه المفاهيم أكثر مما تُولد داخلياً.

ومع انتقال مصطلحات النقد والإعلام العالمي، جاءت كلمة  السردية من (narrative) بوصفها مقابلاً جاهزاً لمفهوم واسع الاستخدام هناك.

فلم تدخل الكلمة لوحدها،   ولكن دخل معها عالم كامل من التفكير يتضمن تحليل الخطاب، وتفكيك الروايات الرسمية، والبحث عن البنية الخفية وراء الكلام.

 

ثم ثالثا، هناك الإعلام، وهو العامل الأكثر تأثيراً، فالإعلام الحديث ماعاد يكتفي بنقل الخبر، بقدر ما صار يصنع إطاراً له.

 لقد صارت كل قناة إعلامية، وكل جهة نشر، تقدم سرديتها الخاصة. ومع هذا التعدد، أصبح المتلقي واعياً، أو على الأقل مشككاً بأن ما يسمعه ليس  بالضرورة هو الحقيقة المجردة،  فقد يكون نسخة منها  لا اكثر،  وهنا ترسخت الكلمة لأنها تعبّر بدقة عن هذا التنافس الخفي على تشكيل الوعي.

قبل شيوع (السردية) كنا نستخدم مفردات أخرى تؤدي المعنى جزئياً، لكنها لم تكن تحمل هذا الثقل المركب.

كنا نقول: (الرواية) إشارة إلى نقل الأحداث، و(القصة) للحكاية، و(الطرح) أو (الخطاب) للتعبير عن وجهة النظر، وأحياناً (التفسير ) أو (الرؤية) لكنها جميعاً كما نرى كانت مفردات تفصل بين عناصر المعنى، ولا تجمعها في كلمة واحدة كما تفعل مفردة (السردية) اليوم.

 

ما يلفت أن هذه المفردة، رغم حداثة تداولها نسبيا، صارت تعكس تحوّلاً عميقاً في وعينا،

فنحن لم نعد نثق بسهولة، ولم نعد نستهلك الكلام كما هو، بل أصبحنا نبحث عمّا وراءه،

عن اليد التي ترتّب الأحداث، عن الهدف من توجيهها. وربما لهذا السبب تحديداً انتشرت  مفردة (السردية) لأنها كلمة تنتمي إلى زمن الشك، لا إلى زمن اليقين.

في النهاية، لا أرى في شيوع هذه المفردة مجرد موضة لغوية عابرة، بل علامة على تغيّر طريقة تفكيرنا.

لقد انتقلنا من الاستماع إلى القصص، إلى مساءلتها، ومن قبول الرواية، إلى تفكيكها، وبين هذا وذاك، وجدت (السردية) مكانها الطبيعي في لغتنا المعاصرة، هذا إذا ما قيلت في سياقها الصحيح وليس زجها في الخطاب ترفا أو من اجل المباهاة البلاغية.


مشاهدات 86
الكاتب إبراهيم البهرزي
أضيف 2026/04/29 - 3:05 PM
آخر تحديث 2026/04/30 - 2:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 111 الشهر 26388 الكلي 15244461
الوقت الآن
الخميس 2026/4/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير