الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أحمد ناجي القيسي… سادنُ العربية ورحّالةُ المعارف بين بغداد وطهران والقاهرة


أحمد ناجي القيسي… سادنُ العربية ورحّالةُ المعارف بين بغداد وطهران والقاهرة

محمد علي محيي الدين

 

وُلد الدكتور أحمد ناجي عبد الرزاق القيسي في بغداد عام 1919، في زمنٍ كانت فيه العاصمة العراقية تمور بالحركة الثقافية وتتهيّأ لنهضتها الحديثة. ومنذ سنواته الأولى بدا الفتى ميّالًا إلى الدرس والبحث، فشقّ طريقه في مدارس بغداد الابتدائية والمتوسطة والثانوية حتى أتمها عام 1942، ثم ولج دار المعلمين العالية حاملاً شغفه بالعربية، فتخرج فيها بليسانس اللغة العربية بمرتبة الامتياز، ليُعيَّن بعدها محاضرًا في الدار نفسها.

   لم يقف عند حدود العربية، بل حمله فضوله العلمي إلى آداب الشرق، فنال بعثة علمية إلى جامعة طهران، حيث درس الأدب الفارسي وتعمّق في لغته وثقافته. هناك حصل على ليسانس الآداب عام 1953، ثم على درجة الماجستير في الأدب الفارسي عام 1954، متقدّمًا في اختصاص ندر أن يُقبل عليه الباحثون في ذلك الزمن. ولم يلبث أن مُنح إجازة دراسية أخرى أتاحت له السفر إلى القاهرة حيث التحق بجامعة القاهرة، وهناك نال شهادة الدكتوراه في الآداب الشرقية عام 1965 بمرتبة الشرف الأولى، حاصدًا اعترافًا علميًا جديدًا يضاف إلى سيرته.

توزّعت مسيرته الوظيفية بين مؤسسات التعليم العالي ودوائر التفتيش والجامعات، فعمل مدرسًا معيدًا في دار المعلمين العالية سنة 1947، ثم مدرسًا في التعليم الثانوي عام 1949، قبل أن ينتقل إلى عمادة كلية الآداب والعلوم في بغداد سنة 1954. وفي عام 1956 رُقّي إلى مرتبة أستاذ مساعد، وفي 1959 نُسب إلى وزارة المعارف العامة قائماً بمهام التفتيش الاختصاصي. وما إن حاز الدكتوراه حتى رُقّي إلى مرتبة أستاذ عام 1965، ثم تولّى عمادة كلية الشريعة وكالة ثم أصالة سنة 1966، وأعقبها تولّيه عمادة كلية الإمام الأعظم وكالة عام 1967.

وفي سبعينيات القرن الماضي أُعيرت خدماته إلى الجامعة المستنصرية بين عامي 1972 و1975، ثم عاد إلى جامعة بغداد ليصبح أستاذًا متمرسًا في كلية الآداب عام 1976، وهو الموقع الذي ظلّ قريبًا إلى قلبه، إذ وجد فيه فسحة للتدريس والتأليف والبحث.

وبناءً على توصية العلامة الدكتور عبد الرزاق محيي الدين، اختير الدكتور أحمد ناجي القيسي عضوًا عاملاً في المجمع العلمي العراقي عام 1977، ثم اختير عضوًا مؤازرًا في مجمع اللغة العربية الأردني عام 1980. وكان يتقن العربية والفارسية والإنكليزية، مما أتاح له أن يقدّم جملة من التحقيقات والترجمات التي أصبح بعضها مراجع لا غنى عنها.

أثرى المكتبة العربية بمؤلفات وتحقيقات عديدة، من أبرزها: النحو الإعدادي – بغداد 1950، المطالعة العربية – بغداد 1945، تحقيق كتاب البخلاء للخطيب البغدادي (بمشاركة الدكتور أحمد مطلوب والدكتورة خديجة الحديثي) – بغداد 1964، فريد الدين العطار وكتاب منطق الطير – بغداد 1968.

أما في مجال الترجمة، فقد نقل إلى العربية (سياست نامة لنظام الملك) (بمشاركة الدكتور عبد الهادي محبوبة)، وترجم منطق الطير للعطار، أحد أهم النصوص الصوفية في الأدب الفارسي.

وفي ميدان التحقيق أسهم في إخراج عدد من الكتب التراثية، منها: الفتوة لابن العمار الحنبلي البغدادي (بالاشتراك مع الدكتور مصطفى جواد والدكتور محمد تقي الدين الهلالي والدكتور عبد الحليم النجار)، التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري لابن جني (بمشاركة الدكتور أحمد مطلوب والدكتورة خديجة الحديثي) – بغداد 1962، الوفيات للأصبهاني (مع الدكتور بشار عواد معروف) – بغداد 1966،

دقائق التصريف لابن سعيد المؤدب، طبع في المجمع العلمي العراقي.

   لم يكن القيسي مجرد باحث منعزل، بل كان حاضرًا في الندوات والمؤتمرات العربية، ولاسيما تلك التي تناولت أثر العربية في الفارسية، وقضايا التعريب، وسائر الشؤون الأدبية والفكرية. وكان لصوته حضورٌ في المشهد الثقافي، يقدّم رأيًا رصينًا، ويضيء زاوية تحتاج إلى بحث أو تمحيص.

رحل الدكتور أحمد ناجي القيسي في بغداد عام 1987، فخسرت الساحة الثقافية أحد أعلامها الهادئين الذين عملوا بصمت وتركوا أثرًا لا يزول. وأقيمت له جلسة تأبينية في المجمع العلمي العراقي، شارك فيها كبار العلماء والمجمعيين، وتحدّثوا عن سيرته العلمية وآثاره التي أرست دعائم المعرفة وخدمت العربية في حقولها المتعددة.

هكذا غادر القيسي الحياة، لكنه بقي بين صفحات الكتب، وفي هوامش التحقيقات، وفي ذاكرة أساتذةٍ وطلابٍ عرفوا فيه مثالًا للجدّ والمثابرة ومحبة العلم.

 

 


مشاهدات 78
الكاتب محمد علي محيي الدين
أضيف 2026/02/22 - 2:55 PM
آخر تحديث 2026/02/23 - 1:51 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 76 الشهر 17720 الكلي 14949363
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير