الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إجتماع الإسم والمسمّى.. المرحوم الوزير كريم محمود الملا

بواسطة azzaman

إجتماع الإسم والمسمّى.. المرحوم الوزير كريم محمود الملا

محمد عبد المحسن

 

يرحل الرجال ويظل ذكرهم ويتحدث الناس عنهم، فإما بخير وثناء وترحّم، وإما بسوء وذم ؛ فطوبى لمن نال طيب الذكر على ألسنة العباد .مع إطلالة الشهر الفضيل رحل السيد كريم محمود حسين الملا الذي كان قد شغل مناصب عدة، منها وزير الشباب، وقد كُتب لي أن ألتقيه مرات قليلة ، بعضها بطابع رسمي ، وبعضها الآخر بحكم السكن المشترك في منطقة واحدة هي الدورة ، في الجزء الذي يملك فيه أقاربه مساحات كبيرة من الأراضي والبساتين ، وقد سكنت في مطلع التسعينيات قريباً من داره التي لا تبعد كثيراً عن دار عمه المرحوم أحمد الملا، وهي الدار الشهيرة التي يطلق عليها المواطنون ( بيت أبو طيارة ) .

 

 وخلال تلك السنوات تجمعت في خاطري بعض المواقف التي تفصح عن معدن هذا الرجل وتدعو إلى الإستعادة .

في تلك الأيام، أيام التسعينيات والحصار ، كان هو خارج المسؤولية الوزارية ، وكان بيننا موعد صباحي دون اتفاق، إذ كنت أذهب كل صباح قبل الدوام ماشياً إلى شارع ( أبو طيارة ) القريب حيث (أفران الجمهورية) لشراء الصمون لوجبة فطور العائلة يوم كان أبنائي صغاراً ، وهناك أرى ( أبو شهد ) وبيده (علاگة نايلون) ليشتري الصمون ويعود إلى داره ماشياً بتواضع عفوي بعيد عن الإصطناع ، وفي كل مرّة أحدّث نفسي عن هذا النموذج الذي يفرض الإحترام والهيبة دونما حاجة إلى رتل من سيارات الحماية وفريق من الحرّاس كما كتب الله لنا أن نشهد .

ولقد كان حريصاً على الدوام على حسن علاقته مع ساكني المحلة والتعاون معهم ومشاركتهم مناسباتهم، وكنت أجده في مجالس العزاء كلما توفي أحد الساكنين حتى لو لم يكن يعرفه ؛ وحين كان في موقع الوزير لم ينتقل للسكن في مجمع الوزراء بل ظل بين أهله وجيرانه .

وظل التواضع سجيّة ملازمة لشخصه في كل المواقف، ففي إحدى المرات، وكان ذلك أيام رئاسته لهيئة الشباب والرياضة ،  ذهب إلى المدرسة التي يدرس فيها بعض أبنائه وأبنائي ( وهي ثانوية المنصور ) لشأن ما ، ولمّا لم يكن مدير المدرسة قد وصل بعد فقد وقف ، وهو يرتدي زي الوزراء الرسمي ، منتظراً مع المنتظرين عند المدخل وصول المدير دونما بحث عن تفضيل في المعاملة كما فعل ويفعل كثيرون من نظرائه المسؤولين !.

استخدامات اخرى

وحين عاد إلى المسؤولية رئيساً لهيئة الشباب والرياضة بدرجة وزير، كان ميدان رعاية الشباب يعاني من تراجع كبير بعد إلغاء مراكز الشباب والعديد من المؤسسات وتحوّل الوزارة إلى هيئة، ووجد الكثير من الأراضي المخصصة للمشاريع الرياضية قد خصصت لاستخدامات أخرى، فعمل على الإستفادة من الأراضي الفارغة بتحويلها إلى ملاعب شعبية وتجهيزها باللوازم الضرورية لهذه الغاية لتكون متنفساً للشباب ، وكانت إحدى المساحات التي حوّلت إلى ملعب لكرة القدم تقع أمام داري ، وهي في الأصل محرّم لسكة القطار والشارع العام ، فصارت تجمعاً لجمهرة من الشباب ومصدراً للضوضاء والغبار وتذمر سكنة الدور المواجهة، فأردت لقاءه لأطلب نقل الملعب إلى مكان آخر .

 واتصلت بمدير مكتبه طالباً تحديد موعد للقاء، فأخبرني أنه سينقل رغبتي للوزير ويتصل بي ،وبعد قليل اتصل قائلاً إن الوزير يسأل : هل يناسبك موعد بعد الدوام الرسمي ؟، فأجبته بأن هذا هو الأفضل لي كي لا أضطر إلى ترك عملي خلال الدوام ؛ وفي الموعد ذهبت إليه في مقر الهيئة في مبنى المطعم التركي بالباب الشرقي فوجدت ما توقعته من حسن استقبال وترحيب  ؛ ولأن اللقاء كان خارج أوقات الدوام الرسمي فقد كان هناك متسع للأحاديث العامة فمضى يحدثني عن أبعاد التحاقه بمنصبه قائلاً إن رئيس الدولة عرض عليه أن يكون أميناً لبغداد، وأنه اعتذر عن ذلك لأن مهام أمانة بغداد بعيدة عن ميدان الشباب الذي يحب تقديم الخدمة فيه، فكان أن اختير لهذا المنصب ، وعرج بالقول إن العمل في الهيئة يتضمن أحياناً تقاطعاً مع اللجنة الأولمبية وأنه يسعى إلى جعل العلاقة معها علاقة تنسيق وتكامل . وفي ختام اللقاء أبلغني بأنه سيوعز بنقل الملعب الشعبي من مكانه ، وهو ما تم فعلاً في اليوم التالي .

هذه لمحات قصيرة عن سيرة رجل كريم اجتمع فيه الإسم والمسمّى ، أجد في عرضها وفاءً وتقديراً ودعوة إلى الإقتداء .


مشاهدات 45
الكاتب محمد عبد المحسن
أضيف 2026/02/20 - 11:19 PM
آخر تحديث 2026/02/21 - 12:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 47 الشهر 15913 الكلي 14947556
الوقت الآن
السبت 2026/2/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير