الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رأيٌ بالغ الأهمية رسول حمزاتوف حول اختيار الموضوع.


رأيٌ بالغ الأهمية رسول حمزاتوف حول اختيار الموضوع.

(مقتبس من كتاب "داغستاني" للكاتب رسول حمزاتوف)

آدينه أحمد سعيدزاده

 

من دفتر الذكريات:

أيها العقاب، ما نشيدك الأحب إلى قلبك؟
نشيد الجبال الشاهقة.
وأنتَ أيتها طائرُ الرفراف (آكل السمك)، ما نشيدك الأحب إلى قلبك؟

نشيدُ البحرِ الأزرقِ اللازورديّ.
وأنتَ أيها الغراب، ما نشيدك الأحب؟
نشيدُ الوليمةِ على الجيف في ساحةِ الوغى.

للأدبِ أيضًا طيورُه: فيه العُقبانُ وطيورُ الرفراف.هذا يُنشِدُ مديحَ الجبالِ الشامخات، وذاك يُرتِّلُ أنشودةَ البحرِ الهادِر.لكلٍّ وطنٌ يؤويه وموضوعٌ يعبِّر عنه… غير أنّ في الأدبِ غربانًا كذلك. إنهم مولعون بأنفسهم أكثر من كلّ شيء.فالغرابُ، حين ينقِّبُ بمنقاره عن عينيْ ميتٍ في ساحةِ المعركة، لا يُبالي أكانتا عينيْ بطلٍ أم جبان. وأعرفُ أدباءَ يعملون اليومَ ما يعودُ عليهم بالنفعِ اليوم، ثم يُقدِمون غدًا على ما يدرُّ عليهم منفعةَ الغد.

الموضوعُ صندوقٌ مفعمٌ بالنفائس.والكلمةُ هي مفتاحُ هذا الصندوق،غير أنّ ما فيه من متاعٍ ينبغي أن يكون من صُنعك أنت، لا مِلكًا لغيرك. ثمّة أدباءُ يتناولون مئةَ موضوعٍ، ولا يُحسنون حلَّ واحدٍ منها.يفتحون غطاءَ الصندوق قليلًا، ويبعثرون الخِرَقَ الملقاةَ على سطحه،ثم يهرعون إلى صندوقٍ آخر. ولو أنّ صاحب الصندوق فتحه، لكان يعلم كيف يأخذ الأشياء بحذرٍ، واحدةً واحدة،
ومن أعماق الصندوق كانت لتخرج صندوقيةٌ ذهبيةٌ تحملُ أمنيات قلبه. أولئك الذين يقفزون من موضوعٍ إلى آخر، يشبهون دالاغولوف الجبلي صاحب العديد من الزوجات.لقد تزوج ثماني وعشرين مرة، وفي النهاية بقي بلا زوجةٍ تمامًا. لكنّ الموضوع لا يمكن مساواته بأي زوجةٍ من الزوجات.وكذلك ليس من الصواب مقارنته بأمٍ واحدةٍ أو بابنٍ وحيد. لأنه لا يمكن لأحد أن يقول: هذا الموضوع لي وحدي، فلا يمسه أحد.الموضوع لي، لكنه متاحٌ للجميع أيضًا. وقد سمعت مرةً أن كاتبًا وبّخَ كاتبًا آخر بشدةٍ بسبب "سرقة" موضوعه. وكان يقول:"من أعطاك الحقَّ أن تكتب عن إرشي قازاق، شاعر القرن الماضي ومؤسس الأدب القميقي؟ أنت تعلم أنّ هذا الموضوع لي، فأنا أكتب عن إرشي قازاق!" هذا عملك سرقةٌ علنية! وكان الكاتب متحمّسًا إلى درجة أنّه بدا وكأن محبوبته سُرِقت للتو.

وكان الردُّ الذي سمعه مناسبًا لرجلٍ جبليّ:

من يصبح إمامًا هو الذي يكون سيفُه أشدَّ حدّةً وأقوى تأثيرًا.فالزوجة ليست ملكًا لمن يرسل إليها خاطبًا، بل هي ملكٌ لمن يتزوجها.فليكن موضوع إرشي، مثل جميع الموضوعات الأخرى، لمن يكتبُه على أفضل وجه.نعم، يمكن لكتابٍ مختلفين، دون أن يعرفوا بعضهم بعضًا، أن يختاروا نفس الموضوع ويعالِجوه.في الأدب لا توجد كولخوزات. لكل كاتبٍ حقله الخاص، ولو كان حقله صغيرًا.لكنّي لا أقول لأحد: بما أنّني الآن بالكاد أتعامل مع حقلي، فلا تقتربوا أنتم أيضًا من حديقتي الأدبية.

في حقلي لن ترى لا كلبًا ولا حارسًا مسلّحًا.وبالمناسبة، أين هو حقلي؟ وكيف أستطيع تحديد حدوده وبناء أسوار حوله؟
موضوعي ليس مرعىً محرّمًا ولا محراب مسجدٍ بحيث لا يستطيع أحدٌ دخوله.

في إحدى المرات، انعقدت جمعيةُ كتاب داغستان، ودار نقاشٌ بينهم.
فقال أحد الخطباء:

لماذا يكتب الداغستانيون عن الدول والشعوب الأخرى؟ دع الإسبان يكتبون عن إسبانيا، واليابانيون عن اليابان، وكتاب الأورال عن صناعة الأورال.إذا كان طائرٌ له عشه في بستان، هل يذهب ليغنّي في بستانٍ آخر؟وهل من الضروري أن ننقل التراب من الجبال إلى الوادي، الذي هو خصبٌ بالفعل؟وإذا أردتَ إذابة دهنِ الذنب، فهل يلزمك أن تضيف إليه المزيد من الزيت؟

في الجمعية كان هناك ضيفٌ من جمهورية أخرى. فأجاب الخطيبَ قائلاً:

حتى الحيوان البري له عشه مثل الطائر،لكن الشمس تمنح جميع الحيوانات البرية دفئها على حدّ سواء، كما يهطل المطر على جميع الأشجار بالتساوي.وقوس قزح يبدو متشابهًا في أعين جميع الناس.في الجبال الشاهقة، وفي الغابات المظلمة، تحدث البرق والرعد بالتساوي.

حتى الأرز القادم من بلدٍ آخر يُصبح بريانيًا لذيذًا.لقد جئتُ إلى جمعيتكم من بعيد،
فقط لألقي عليكم التهاني،لكنّي الآن أشعر أنّ قلبي تعلق بالجبال والبحار، وبالرجال النبلاء والنساء الجميلات والوقورات لديكم.

إذا كتبت شيئًا عنكم، فسيكون إخواني في الوطن شاكرين لي.وأنتم أيضًا إن كتبتم عن بلدي، فلن يضركم ذلك.فالكاتب في اختياره، مثل الحب، حرٌّ تمامًا.أفيسأل الحب الإذن أولًا قبل أن يستقرّ في قلب أحد؟

صفق الحاضرون في الجمعية لكلمات الضيف،فكانت كلماته صادقةً وحادةً مثل الصاعقة،لكن عندما كنت أنا ألوّح بيدي تقريبًا موافقًا لما يقول،لم يكن هذا الرأي يترك لي بالًا هادئًا.من الجميل أن تكتب عن البلدان والشعوب الأخرى،
لكن بعد أن تتقن موضوعك الخاص أولًا.

داغستاني الصغير وعالمي الكبير.نهران صغيران يلتقيان في الوادي ليصبحا واحدًا.وحدتان من الدموع، تنحدران من عينين، تتدفقان على الخدّ، نتيجة حزنٍ أو فرحٍ واحد.

تساقطت الدموع على وجنتَي الشاعر،
على اليمنى وعلى اليسرى معًا.
ومن دموعه وُلد الحزن والفرح،
دموع الفراق ودموع الغضب.
قطرتان من الدموع الهادئة، النقية،
حتى إذا انسحبت عن نفسه، ضعفت القوى.
وعندما تتساقط، ينشأ الشعر، بلا خلاف،
فتندلع النار والعاصفة في وقتٍ واحد.

داغستاني الصغير وعالمي الكبير.هذه حياتي، نشيدي، كتابي وموضوعي

 

 

 استاذ بجامعة طاجيكستان القومية

 

 

 


مشاهدات 34
الكاتب ادينه أحمد سعيدزاده
أضيف 2026/02/17 - 3:13 PM
آخر تحديث 2026/02/18 - 1:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 58 الشهر 13664 الكلي 13945308
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير