عن فريق يخسر وجمهور يدفع الثمن ؟
طه حسن الاركوازي
ليست كُل الهزائم رياضية ، كما أنّ ليست كُل الخسارات تُقاس بعدد الأهداف ، أحياناً تكون النتيجة على لوحة الملعب مُجرد مرآة لخللٍ أعمق ، خللٍ في الإدارة ، في الرؤية ، في ترتيب الأولويات ، فحين يخسر فريق بحجم برشلونة ، لا يخسر لأن تاريخه تبخر فُجأة ، ولا لأن لاعبيه نسوا كيف يلمسون الكُرة ، بل لأن هناك شيئاً ما في غرفة القرار لم يكن مُنضبطاً كما ينبغي ، وهنا تبدأ الحكاية التي لا علاقة لها بكرة القدم بقدر ما لها صلة بفن إدارة الدولة .
برشلونة ليس مُجرد نادٍ ، هو ذاكرة كروية ، مدرسة ، وجمهور أعتاد أن يرى في القميص أكثر من قماش ، لكنك حين تُراقب مباراة مُرتبكة ، تشعر وكأن التبديلات تأتي بعد فوات الأوان ، وكأن اللاعبين وُضعوا في مواقع لا تشبههم ، وكأن الخطة وضعت على عجل ثم تُركت لتواجه مصيرها وحدها .
المشهد يبدو مألوفاً لنا نحن الذين نتابع السياسة العراقية كما نُتابع مُباراةً مصيرية : أعصاب مشدودة ، ووعود قبل البداية ، ثم أرتباك حين تبدأ صافرة الواقع .. في العراق ، لا تنقصنا الأسماء الرنانة ولا الشعارات البراقة ، لدينا “تاريخ سياسي” يستدعى عند كُل أستحقاق وتضحيات تُعرض في واجهة الخطاب ، وبرامج تُقرأ كما تُقرأ التشكيلات قبل المباراة ، لكن ما إن ينطلق الشوط الأول حتى تتكشّف الفجوة بين الخطة واللعب ، القرارات تُتخذ تحت ضغط اللحظة ، التحالفات تُبدل كما تُبدل المراكز ، واللاعبون أنفسهم قد يجدون مواقعهم مرهونة بتوازنات لا علاقة لها بالكفاءة .؟
الخلل ليس في الجمهور ، فالجمهور سواء في المدرجات أو في صناديق الاقتراع ، يأتي مُثقلاً بالأمل ، يهتف ، ينتظر ، يمنح ثقته مرةً بعد أخرى لكنه في النهاية يكتشف أنه الطرف الوحيد الذي لا يشارك في رسم الخطة ولا في توقيت التبديلات ، يدفع ثمن التذكرة ويدفع ثمن الخطأ بينما تبقى غرفة الإدارة بعيدة عن صخب المدرجات .
المُفارقة أنّ الخطاب السياسي ، مثل الخطاب الرياضي ، يجيد صناعة الأمل ، يَعِد بالمستقبل ، يتحدث عن “مرحلة جديدة” عن “إعادة بناء”، عن “تصحيح المسار” ، لكن التنفيذ غالباً ما يبدو كتمريرات جانبية لا تتقدم باللعبة خطوةً نحو المرمى ، وحين يُسأل المسؤول عن سبب التعثر ، يُحيل الأمر إلى “ظروف صعبة”، أو “إرث ثقيل”، أو “مؤامرات خارجية”، كما لو أنّ الخصم وحده مسؤول عن ضياع النقاط .؟
في التجارب الرصينة ، الإدارة هي من تتحمل مسؤولية الاختيار الخاطئ قبل أن تُحمل اللاعب عبء الأداء ، تضع الشخص المناسب في المكان المناسب ، لا لأنه الأقرب ولاءً ، بل لأنّه الأقدر مهنةً ، أما حين يصبح الموقع مكافأةً أو تسويةً ، فإن الملعب يتحول إلى مساحة تجارب ، والجمهور إلى شاهدٌ على أرتباكٍ لا ينتهي .. العراق اليوم لا يحتاج إلى خطابات حماسية بقدر ما يحتاج إلى قراءة واقعية للوضع العام ، التحديات الاقتصادية ، التعقيدات الإقليمية ، التحولات الاجتماعية ، كُلها ليست خصماً يمكن التغلب عليه بالتصفيق أو بالشعارات أو الوعود ، إنها تتطلب رؤية أستراتيجية واضحة ، إدارة مُؤسسية ، وجُرأة في أتخاذ القرار في توقيته الصحيح لا بعد أن تتراكم الأخطاء ويُضيق الوقت .
الكلام هُنا ليست للإساءه أو للتشفي ، بل للتذكير بأن الشعوب ليسوا جمهوراً موسمياً ، بل هو شريكٌ أصيل في النتيجة ، سواء كان فوزاً أو خسارة ، وحين يتكرر المشهد ذاته من وُعود كبيرة إلى تنفيذ مُتعثر ، فإن المشكلة لا تكون في حظٍ عاثر ، بل في طريقة إدارة المباراة برمتها .
قد يخسر فريق مباراة ثم يعود أقوى ، إذا تعلّم من خطئه وأعاد ترتيب أوراقه ، والسياسة ليست قدراً أبدياً من الإخفاق ، بل هي فنّ المُمكن حين يُدار بعقلانية ومسؤولية .
أخيراً وليس آخراً .. رسالة إلى النُخب السياسية العراقية واضحة بقدر ما هي دبلوماسية : لا تجعلوا الجمهور يدفع ثمن تبديلاتكم المُتأخرة ، أعيدوا تعريف المسؤولية بوصفها التزاماً بالنتيجة لا بالخطاب ، وبوصفها عملاً مؤسسياً لا أستعراضاً آنياً ، فالتاريخ وحده لا يُسجل الأهداف ، والأسماء الكبيرة لا تكفي لصناعة الانتصار ، ما يصنع الفارق هو القرار الصائب في لحظته ، والاختيار المبني على الكفاءة والمهنية والنزاهة ، والاعتراف بأن الجمهور ليس مُجرد مُتفرج ، بل هو صاحب الملعب الحقيقي ، وإذا كان في خسارة مباراة درس ، فإن في خسارة وطن إنذاراً لا يحتمل التأجيل …!