الإعتبارات الإقتصادية والإجتماعية فى قانون التعرفة الكمركية
محسن علي حسن
تؤلف اقيام الاستيرادات نسبة كبيرة من الدخل القومي في العراق وبالتالي فانها تعتبر وعاءً .مهما للرسوم الكمركية (الضريبة الكمركية). وتستاثر هذه الرسوم بحصة كبيرة تتجاوز (50%) من مجموع الايرادات الضريبية مقارنة مع ضرائب الدخل منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة.وكانت هذه الرسوم تقدر في موازنات السنوات الاخيرة مابين (500)مليار دينار الى (800)مليار دينار, بينما من المتوقع جبابة ايرادات تتراوح ما بين (1,5)ترليون دينار الى (2,4) ترليون دينار على اثر مصادقة مجلس النواب على قانون التعريفة الكمركية
الجديد في بداية عام 2010. ويعتمد الامر في كل الاحوال على كفاءة وخبرة ونزاهة موظفي الكمارك وقوات الحدود .ومما يجعل هذه الرسوم اكثر اهمية من الناحية المالية كونها اسهل اداريا وافضل سياسيا,غير ان لها اثارأسلبية على ارتفاعات الاسعار والتي يتحمل المستهلك عبئها كلا او جزءًحسب درجة مرونة كل سلعة ولو انها بالاساس تدفع من قبل المستورد
ان شيوع استعمال التعريفة في النظام المالي لا يقتصر على زيادة ایرادات الحكومة حسب وانما يساهم في تحقيق اهداف وطنية من خلال اليات متنوعة منها توفير الحماية للصناعات المحلية وعدم تشجيع استهلاك الواردات التي لها تاثير غير مرغوب فيه على الصحة او على النظام العام, اضافة الى تقليل الحاجة الى رقابات التحويل الخارجي واجازات الاستيراد والتي تواجه صعوبات ادارية معقدة. ومع ذلك فان العراق ليس له كامل الحرية في تحديد هيكل التعريفة الكمركية انما ياخذ بنظر الاعتبار القيود الدولية التي تفرضها الاتفاقيات المختلفة مثل منظمة الكات ومنظمة التجارة العالمية والاتفاقيات الثنائية ومبدأ المقابلة بالمثل .اضافة لذلك ,تواجه الحكومة صعوبات كثيرة تتمثل في كيفية تحديد المستوى الامثل للتعريفات الكمركية فهل تفرض تعريفات مرتفعة؟ام تعريفات منخفضة؟فقد توفر التعريفات شديدة الارتفاع دعماً للانتاج المحلي لكنها قد لاتحقق الكثير من الايرادات بسبب تقليص الاستيرادات .اما اذا كانت التعريفات الكمركية واطئة فان العكس ربما سيحدث. وهكذا فان الصعوبة تكمن في اختيار الحدود المثلى التي تقع بين هذين المستويين والتي تحقق في ان واحد:ايرادات اكثر وحماية مرغوبة.
ويختص قانون الكمارك ببيان الاحكام العامة لفرض وتطبيق الرسوم الكمركية وحالات الاعفاء منها ,بينما يختص قانون التعريفة الكمركية ببيان اقسام وفصول وفقرات السلع المختلفة ونسب الرسوم المفروضة عليها والسلع المعفاةمن الرسوم . وتحتوي الجداول
الملحقة بالقانون الجديد على (21)قسماًمبوبة على اساس (97) فصلازائدأفصلين احتياطيين .وتضم الفصول عددامن البنود والفقرات تبلغ حوالي (5) الاف فقرة.ويتناول هذا التقرير ملاحظات عامة عن جداول التعريفة الكمركية وتعليقات على اهم ما ورد بفقراتها والأسباب الموجبة لتشريع القانون الجديد.
1- الملاحظات العامة
أ- بالاضافة الى الاعفاءات العامة الواردة بقانون الكمارك وقانون الاستثمار وغيرها من القوانين النافذة فان قانون التعريفة يتضمن اعفاءات كثيرة جدا تشمل مشاريع وشركات وقطاعات متنوعة منها قطاعي الانتاج الزراعي والصناعي وقطاعات النقل والبناء والخدمات . وكان ينبغي ان تتركز هذه الاعفاءات على المشاريع التي تظهر تفاؤلا بمستقبل كفاءة عملياتها الانتاجية . ولتحقيق هذه الغاية من الضروري ان يكون هناك تنسيق بين كل من وزارة المالية والتخطيط والتجارة وغيرها. وفي كل الاحوال يجب ان لايكون ذلك على حساب الاعتماد على حوافز السوق في تشجيع الانتاج المحلي .
ب- تتراوح الرسوم الكمركية المفروضة على السلع المستوردة ما بين 1% الى 100%. فالرسوم المفروضة بنسب تقل عن 5% اي 1% او 3% ليس لها جدوى اقتصادية سواء بالنسبة لعددها المحدود جدا او بالنسبة الى ضالة الايرادات المتوقعة منها . وكذلك الحال بالنسبة للسلع الخاضعة لرسوم بنسبة 100%فانها هي الاخرى لا تتعدى عدد اصابع اليد ومن غير المتوقع ان توفر ايرادات مهمة. لذا كان من الضروري اعادة النظر في الرسوم التي تقل عن 5%اما باعفائها او جعلها 5%حيث تكون الاخيرة الحد الادنى للضريبة الكمركية وتخفيض الفقرتين الخاضعتين الى 100% وجعلها 30% او اي نسبة مقبولة ومعقولة تماثلها .
ج- تتضمن الجداول فرض رسوم كمركية عالية تتراوح ما بين 40%-80% على عدد من السلع المستوردة غير المذكورة في الفقرة (2)اعلاه. ان بعض هذه السلع اضافة الى كون استعمالاتها ومستورداتها محدودة فان بعضها الاخر يشجع على التهريب بشكليه العلمي والتقليدي خاصة في ظل كادر كمركي وقوات حدود يفتقرون الى الكفاءة والخبرة والنزاهة, والاجراءات الروتينية الاخرى كاجراءات التقييس والسيطرة النوعية. وكان من الضروري اعادة النظر بهذه الرسوم كأن يكون الحد الاعلى 30%.
د- اسلوب التقييم :
تتبع الدول عادة ثلاثة اساليب في تقييم السلع المستوردة لاغراض فرض الرسوم الكمركية عليها .فهناك رسوم تفرض على اساس نوعي اي على الطبيعة المادية للسلعة (عن كل وحدة , او نسبة الى الوزن او الحجم),وهناك رسوم تفرض على اساس القيمة (نسبة مئوية من قيمة السلعة),والاسلوب الثالث هو مزيج من الاسلوبين اعلاه. ويطبق العراق هذه الاساليب الثلاثة في قانون التعريفة لعام 1955 الملغي.وقد جرت محاولات بمناسبات عديدة لنقل السلع التي تخضع الى رسوم نوعية وتحويلها الى سلع تخضع لرسوم على اساس القيمة لمنع تاكل القيمة الحقيقية للحصيلة الكمركية الناتجة عن ارتفاعات الاسعار وتحاشي اللجوء الى تغيرات متعاقبة بنسب الرسوم . لذلك ,ولغرض الاستفادة من ارتفاعات اسعار السلع المستوردة ركز القانون الجديد على فرض الرسوم القيمية كونها تزيد من الايرادات كلما تزداد معدلات التضخم.لكن تطبيق هذا الاسلوب كان ولا يزال يواجه صعوبات ادارية ينبغي التصدي لها.فهو يقتضي توفر كادر كمركي على درجة عالية من التاهيل لتدقيق قوائم الاستيراد خاصة بالنسبة للسلع ذات التكنلوجيا العالية, وتوفير المعلومات عن الاسعار والكتالوكات الصادرة عن شركات التسويق العالمية وتحديثها. كذلك يتطلب الاسلوب تعديل سعر الصرف في تحديد اقيام الاستيرادبصورة دورية لعكس القوة الشرائية للعملة الوطنية ,وتقصير الفترة بين تحقق الضريبة وبين دفعها من قبل المستورد على ان لاتزيد فترة اخراج البضائع بتعهد او تاجيل دفع
الرسوم عن شهر واحد مثلامع فرض غرامات جزائية او فوائد مجزية لضمان الامتثال ومنع التاخير في دفع الرسوم.
2- تعليقات على اهم فقرات التعريفة
يخلو القانون الجديد من مذكرة ايضاحية تفسر اهداف واغراض القانون ومبررات فرض الرسوم العالية او المنخفضة او الاعفاءات وغيرها من الامور التي توضح الصورة خاصة امام اعضاء مجلس النواب وتوفرلهم الوقت والجهد في مناقشتها بصورة كافية قبل المصادقة عليه.ومع ذلك فان هذا الجزء من التقرير سيتناول الغايات التي يرمي اليها القانون واعطاء بعض الامثلة .
أ- اعفاء المواد الاولية والمعدات :
تتضمن جداول التعريفة اعفاءات كثيرة جدا تشمل القطاعات الاقتصادية المختلفة ومنها على سبيل المثال : البذور والتقاوي للانتاج الزراعي ,مواد خام للمنتجات المعدنية والصناعات الكيماوية والجلدية ومصنوعات النحاس والالمنيوم وغيرها ومعدات ومحركات متنوعة . كما تشمل الاعفاءات التي تعد فقراتها بالمئات الكتب والنشرات العلمية والفنية ومطبوعات متنوعة .وبدون شك ان هذه الاعفاءات تؤدي الى تخفيض الكلف الثابتة للصناعات الوطنية وتجعلها في موضع تنافسي افضل وتسهل تمويل المشاريع الاستثمارية الجديدة.
ب-رسوم كمركية منخفضة على السلع الضرورية:
تحتوي جداول التعريفة الكمركية على عدد هائل من السلع الخاضعة الى رسوم لاتتجاوز %5. على سبيل المثال الادوية وسيارات الطواريء (شرطة, اسعاف, اطفاء) واجهزة الاشعة وزيوت المحركات وزيوت نباتية وبعض المنتجات الخزفية والزجاجية والحديد والصلب ومنتجات وعناصر كيماوية متنوعة. بالاضافة الى ذلك هناك عدد محدود من السلع يخضع الى نسبة 1% مثل الالبان والقشدة بشكل مسحوق او حبيبات وزجاج ملون وزجاج مسلح وانواع معينة من الحديد والصلب , وسلع محدودة جداً تخضع الى نسبة 3% كبعض انواع البقوليات وزيوت نفط الخام واجهزة مساعدة للمراجل . ان السلع المعفاة من الرسوم والسلع الخاضعة الى رسوم منخفضة رغم انها ذات فائدة للمستهلكين الا ان اثارها ان لم تكن مدروسة بعناية ربما تلحق ضرراً بالانتاج المحلي وبالتالي ينبغي مراجعة نسب الرسوم المذكورة بالفقرتين اعلاه بصورة دورية .
ت- رسوم كمركية عالية لحماية الانتاج المحلى :
بموجب الجداول الملحقة بالقانون تفرض رسوم مرتفعة على سلع مستوردة متنوعة لغرض حماية المنتجين المحليين من المنافسة الاجنبية , وفيما يلي قائمة ببعض هذه السلع على سبيل
المثال :
|
خوخ برونس |
%100 |
|
مياه معدنية وغازية |
%80 |
|
تمر وموز |
%40 |
|
فواكه وخضر متنوعة |
%30 |
|
اسماك طازجة |
%30-%25 |
|
البسة متنوعة |
%40-% 30 |
|
بيوت محمية للزراعة |
25% |
|
حضائر واقفاص |
25% |
|
حصران وبسط وسلال |
25% |
|
سجلات محاسبية |
25% |
|
محضرات لحوم واسماك |
20% |
وبالاضافة الى ان اعفاء مدخلات الصناعة والزراعة وبعض المعدات الرأسمالية المستوردة من الرسوم الكمركية وتخفيض البعض الاخر يساعد على تشجيع المنتج الوطني ,فان فرض الرسوم المرتفعة هي الوظيفة الفريدة للحماية . فمن شأن هذه الرسوم تشجيع وتطوير صناعات احلال الواردات لانتاج سلع مماثلة اذا كانت الرسوم تتجاوز الفروقات في الكلف مابين الانتاج المحلي والانتاج الاجنبي. ومع ذلك يجب اتباع هذه السياسة بحذر لانها ربما تشج المستثمرين على التوجه نحو النشاطات التي ليست في قمة الاولويات الاقتصادية مثل صناعة التجميع التي لاتوفر سوى قيمة مضافة ضئيلة ولاتساهم كثيراً في تقليص البطالة.كما ان منح هذه الامتيازات ينبغي ان يتوقف مالم تبرهن الصناعات المشمولة بها على كفاءتها الانتاجية وتحسين نوعيتها وقدرتها على سد حاجة الطلب المحلي وبخلاف ذلك يصعب تبرير الاستمرا بهذه السياسة .
د- رسوم كمركية مرتفعة لتقليل الاستيراد
تحتوي الجداول الملحقة بالقانون على فرض رسوم عالية على عدد كبير من السلع ذات
الطبيعة الاستهلاكية لغرض الحد من استيرادها قدر الامكان ولزيادة الحصيلة الكمركية في ان
واحد , وفيما يلي نماذج مختارة من السلع الخاضعة لهذه الرسوم :
|
عطور ومواد تجميل |
75% |
|
تماثيل للتزيين |
50% |
|
لوحات وصور باليد |
50% |
|
حوامل فرش ( لاسرة النوم) |
50% |
|
مجموعات علم الحيوان والنبات |
50% |
|
اسلحة ومسدسات نارية |
40% |
|
ساعات متنوعة |
30% |
|
دراجات نارية |
30% |
|
( مكانس, مطاحن , اجهزة منزلية كهربائية خلاطات ,تلفزيون, اجهزة حلاقة,ادوات قص الاظافر ) |
30% |
|
العاب ودراجات اطفال |
15% |
|
سيارات (عدا الاختصاصية) |
15% |
ومن الواضح ان الهدف من فرض الرسوم المرتفعة على السلع هو تقليل استيرادها الاان لها اثار سلبية تتمثل في ارتفاع اسعارها في السوق العراقية وتحمل المستهلك لعبئها وتشجع على التهريب . ويكون التهريب اكثر سهولة بالنسبة للسلع مرتفعة القيمة نسبة الى كمياتها كالساعات والمجوهرات والعطور وغيرها خاصة وان حدود العراق الدولية طويلة وحراستها ضعيفة . ومن الضروري , في مثل هذه الظروف جعل الرسوم على مثل هذه السلع قريبة قدر الامكان من مثيلاتها في البلدان المجاورة والتي هي معبر للمهربين .
٥- رسوم مرتفعة لاغراض صحية واجتماعية بموجب جداول التعريفة الكمركية الملحقة بالقانون تفرض رسوم بنسبة 80% على
المشروبات الكحولية ونسبة 15% على السيكاير الاجنبية. وتهدف هذه الرسوم الى عدم تشجيع استيرادها لما لها من اثار ضارة على صحة المجتمع او لمجرد كونها من الاولويات الواطنة في استعمال المصادر. ومع ذلك فأن هذه السلع وانواع اخرى مشابهة تتصف بعدم مرونة الطلب بالنسبة للسعر وبالتالي فان لها اثار عكسية على اصحاب الدخول المنخفضة على عكس السلع الكمالية ذات المرونة السعرية العالية حيث يمكن عن طريق فرض الرسوم المرتفعة عليها الوصول الى اصحاب الدخول العالية.
3- الاسباب الموجبة
تنص المادة (9) من مشروع القانون على الغاء قانون التعريفة الكمركية رقم 77 لسنة 1955 (المعدل ) وهو قانون خضع الى التعديل والتحديث بمناسبات عديدة والغاء اوامر سلطة الانتلاف المؤقتة. ويعني ذلك ضمناً وجود مبررات قوية ينبغي شرحها باسهاب. غير ان الاسباب الموجبة نصت على مايلي (لغرض وضع تعريفة كمركية تتماشى واصلاح الاقتصاد العراقي والتعديلات الكثيرة التي طرأت على القانون). فمن الواضح ان جداول التعريفة الكمركية وهي العمود الفقري للقانون ليست ارقاما جامدة وانما تعبر عن السياسات العامة التي ترمي الدولة استخدامها لتحقيق اهدافها الوطنية . اذ لايجوز لاي بلد ان يضحي بحريته وامنه القومي في سبيل حفنة من الدنانير تضاف للدخل القومي عن طريق التجارة والتي توفرها التعريفة الكمركية. لذا كان يفترض الاشارة في الاسباب الموجبة الى المبادىء الاساسية في تصميم القانون مثل العدالة التي تتطلب توافق القانون مع رائ المجتمع والكفاءة
الاقتصادية التي تعني عدم فرض كلف اضافية غير ضرورية على المجتمع ولايتعارض مع الاهداف الاقتصادية في النمو والاستقرار وتوزيع الدخل العادل والجدوى الادارية التي لاتحمل الحكومة والمستهلك كلفاً اضافية . بالاضافة الى ذلك من المفضل ان تشير الاسباب الموجبة الى الحدود التي راعى فيها القانون التزامات العراق الخارجية خاصة دخوله في منظمة التجارة العالمية, ومدى توافقه مع سعيه لتوفير الحماية للمنتجات الوطنية , وتشجيع الانتاج الزراعي والصناعي, وتنمية القطاعات الاخرى , والاثار المتوقعة على الصحة والثقافة والنظام العام .ولكل هذه الاسباب فأن صياغة الاسباب الموجبة بسطر واحد لقانون جديد يعد من اخطر القوانين امر غير صحيح وقد يصلح ذلك لتعديل محدود للقانون لالا لغائه .